مسلمة بدون جهاد.
والوجه الثاني: أنها لا تقوم بمعنى لا تستمر قائمة ثابتة إلا بالجهاد في سبيل الله لأن الجهاد هو حامي الأمة والدولة المسلمة، وهو عماد سلطانها وعزتها؛ فإذا تركته انهارت وأصابها الذل وغلبها الأعداء واستولوا عليها، وهذا صحيح مدلولٌ عليه بأدلة القدر والشرع الكثيرة.
ومن يقول إن دولة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة قامت بدون جهاد؛ لأن الجهاد شرع بعد قيامها أي بعد الهجرة إلى المدينة، والدولة قامت بهجرته، فهذا وإن كان ظاهره يبدو صحيحًا لكن لا ينبغي الاعتراض به؛ لأنه قابل للبحث بأن يقال: لا وجود للدولة بمعناها الكامل قبله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو إمام المسلمين وهو دولتهم وفئتهم حيث كان، والجهادُ شرع بمجرد الهجرة مقرونًا بها، وقد قيل: إن آيات الحج: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) } [الحج] نزلت مع خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا من مكة إلى المدينة؛ فيحتمل أنها نزلت في طريق الهجرة أو بعد الوصول بِزَمَنٍ يسيرٍ.
فمما ورد في سبب نزولها: ما رواه ابن جرير في «تفسيره» ، ورواه الإمام أحمد والترمذي وقال: «حديث حسنٌ» ، والنسائي وابن حبان وغيرهم: عن ابن عباس قال: «لما خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكُنّ، قال ابن عباس: فأنزل الله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) } [الحج] قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال، قال ابن عباس: وهي أوّل آية نزلت في القتال» (1) اهـ.
وما يذكر من قيام بعض دول للمسلمين في التاريخ بدون جهاد (قتال وحرب) كما في بعض نواحي جنوب شرق آسيا وفي أواسط وغرب أفريقيا .. فتلك كانت في غالبها قبائل تدخل الإسلام بسبب الاحتكاك بالمسلمين الدعاة من التجار وغيرهم من المهاجرين، ويستمر لها ملكها وحكمها على إقليمها وناحيتها ثم تتكون الدولة بعد فلا تستغني عن الجهاد ..
فالحق أن الجهاد هو قوام عز وتمكين واستمرار الدولة المسلمة.
وعلى كل حالٍ .. لا مشاحة، ولا يلزم الخلاف في ذلك، ولا أراه مما ينبني عليه شيء مهم من العمل؛ لأن الواجب النظر في الأدلة التفصيلية لمعرفة الأحكام الشرعية العملية في كل مورد تكليف، والموفق مَن هداه الله وألهمه رشده، وما النصر إلا من عند الله.
(1) جامع البيان للطبري (18/ 644) ، مسند أحمد (1865) وصحح إسناده الأرنؤوط وأحمد شاكر، سنن الترمذي (3171) ، سنن النسائي (3085) وصححه الألباني، صحيح ابن حبان (4710) .