فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1908

مالا ويقول مخاطبا الشيخ، والشيخ في الداخل لا أدري هل كان يسمعه أو لا؟، لكن الكلام كله بلغه عن طريق الإخوة الحراس، وعلمت أن هذا الشخص ليس هذه أول مرة يفعلها وقد أعطي مالا من قبل ليستعين به على السفر لكنه يطلب المزيد، كان يقول: هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك .. ونحو ذلك من الكلام، ونحن كنا قادمين فرأينا الموقف، ثم دخلنا على الشيخ فرأيت بعض الإخوة من المقربين إلى الشيخ من إخوة «القاعدة» يقولون له: هذا الشخص مجرم ولا يستحق شيئا ولا تعطه يا شيخ شيئا ونحو ذلك، وذكروا له في أثناء الكلام أشياء أخرى يقولون: فلان أخذ السيارة أو السيارات في المنطقة الفلانية وفلان أخذ كذا، يريدون من الشيخ أن يأمر باسترداد هذه الأشياء منهم لأنها ملك للقاعدة أو للشيخ نفسه، فكان الشيخ يبتسم لهؤلاء الإخوة من أصحابه ويهدئهم ويقول: «إذا جيت رايح كثر الملايح» (1) ، فما زلت أذكر تلك الكلمة والموقف منه ..

والمواقف مع الشيخ مثل هذه كثيرة.

وكثيرا ما كان يوصي بالحلم والرفق وخاصة للأمراء، ويقول: «لا يسود الناسَ مَن قلَّ حِلمُه» .

وفي أيام «الإمارة الإسلامية» زرته مرة في «قندهار» وأخذت معي مسوّدة الكتاب الذي كتبته عن «الجزائر» لأعرضه عليه وأستشيره فيه، ولم يكن كاملا ساعتها ولكن الذي عرضته عليه كان أزيد قليلا من نصفه (كنت طبعته على ورق وجعلته ملفا) فأخذه مني؛ فقلت في نفسي: لا أظن الشيخ سيفرغ لقراءته لكثرة انشغالاته، وكنتُ مكثت في «قندهار» حوالي أسبوع، وقبل الرجوع إلى كابل أتيته فأحضر لي الملف وقال: إنه قرأه كاملا وأثنى عليه، وأوصاني بعدم الاستعجال في نشره إلى بضعة أشهر وأن أقرأه عدة مرات قبل ذلك حتى أنقّحه جيدا، وتثبت الأفكار بعد طول المراجعة والتمحيص.

وكتب على الحاشية بضع ملحوظات أذكر منها:

أنني حينما تكلمت عن أهل الجزائر وأقاليمهم ومناطقهم وَصفتُ بعضهم بالكرم والجود وأثنيت عليهم بما رأيت من ذلك وحكيت مواقف، ثم ذكرت أناسًا آخرين أهل مناطق أخرى فذكرت فيهم البخل، فقال لي الشيخ: اذكر أهل الخير بأسمائهم ونوّه بهم، وأما أهل السوء فلا تذكرهم بأسمائهم بل أبهمهم؛ فإن ذكرهم بأسمائهم وأسماء مناطقهم يحزنهم، ولعله يحصل الغلط أيضا في ذلك فتظلم بعضهم، أو كما قال .. فتأملت نصيحته واستفدت منها كثيرا.

فهذه بعض المواقف مما أذكره، نسأل الله أن ينفع بها، وأن يغفر لنا ولكم ويعفو عنا.

(1) هذا مثال عامي، يقصد بِهِ الشيخ - رحمه الله: يا من سيرحل يوما؛ أكثر فعل المليح -أي الأشياء الحسنة- في إِثرك؛ حتى يبقى ذكرك بالخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت