الاستدلال؛ فمَن يحاول -في كل مسألة، أو أكثر المسائل- الوصول إلى قطعٍ ويقين أو يتوهّم أنه يمكنه أن يستولي على علم كل الدقائق ولا يكون عنده مجال لأي تردد؛ فهو مخطئ، وسيتعب كثيرا .. وأخطر ما في الأمر أنه يُخشى عليه الفتنة والضلال.! وسيأتي مزيد إيضاح لهذا الأمر في مناسباته إن شاء الله.
الثانية: وهي مكملة للأولى، وهي وجوب التفريق بين المسائل، وإنزال كل مسألة منزلتها، بالقسط، وإعطائها درجتها من حيث قوة الحكم وثبوته ووضوحه، وفي كل ما ينبني على ذلك.
الثالثة: لزوم التفقه في باب: فقه الخلاف وآدابه.
الرابعة: الاشتغال بما ينبني عليه العمل، وترك ما سواه.
الخامسة: معرفة فقه الأولويات، وقدِّم الأهم .. !
السادسة: أهمية معرفة التجارب والعبر والتاريخ وفقه الاستفادة منها، ومعرفة حدود ذلك وآدابه.
وإن كان من نصيحة أخرى قبل الختام فأقول:
إن كثيرًا من المسائل التي يكثر سؤال إخواننا عنها ومنها مسائل التكفير وغيرها .. ترجع في إصدار الحكم فيها إلى نظر الحاكم فيها مفتيًا كان أو قاضيًا، ولا تنحسم كثيرٌ من المسائل والقضايا إلا بذلك، كما نبهت عليه في «النقطة السادسة عشرة» عند الكلام على مسألة العذر بالجهل (1) .
وهذا الأصل كثير في كلام الفقهاء، ومما وجدته من الأمثلة الآن:
ما قاله «أبو حامد الغزالي» - رحمه الله - في «إحياء علوم الدين» في بابٍ عقده في التحرّي عند اختلاط الحلال بالحرام ونحوه، وهو: الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها؛ قال فيه: «فأما إن كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون الأكل حرامًا وإن تحقق وجوده في الحال؛ كما في مسألة اشتباه الذكية بالميتة، فهذا مما لا أدري ما أقول فيه وهو من المتشابهات التي يتحير المفتي فيها لأنها مترددة بين مشابهة المحصور وغير المحصور، والرضيعة إذا اشتبهت بقرية فيها عشر نسوة وجب الاجتناب، وإن كانت ببلدة فيها عشرة آلاف لم يجب، وبينهما أعداد ولو سئلت عنها لكنت لا أدري ما أقول فيها، ولقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل - رحمه الله - عن رجل رمى صيدًا فوقع في ملك غيره أيكون الصيد للرامي أو لمالك الأرض فقال: لا أدري فروجع فيه مرات فقال: لا أدري،
(1) بعد أن ذكر الشيخ أن الجهل -المعتبر مثله شرعًا- قليلٌ جدا هذا الزمان؛ قال - رحمه الله: «لكن مع ذلك كله يوجَد من أهل الدواخل والبوادي والأقاليم البعيدة من هم في غاية الجهل والبُعد عن العلم وأهله، ففرقٌ بين هؤلاء وأولئك، وهذه صورٌ وقضايا يرجع تقديرها إلى المفتي الناظر في المسألة، وبالله التوفيق .. ونسأل الله العافية والسلامة، ونعوذ بالله من الشرك وأهله» .