فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 1908

وكثيرًا من ذلك حكيناه عن السلف في «كتاب العلم» فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور» (1) اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع وفي تخليدهم، حتى التزم تخليد (2) كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وفي هذا من الخطأ ما لا يحصى وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء وإن كانوا أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والإلحاد» (3) اهـ.

وقال: «وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم من كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رآهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه» (4) اهـ.

نقله الباحث المحقق الشيخ أبو قتادة فرج الله عنه في رسالته المسمّاة «أهل القبلة والمتأولون» ، ثم علق عليه بقوله: «وهذا الذي قاله الإمام - رحمه الله - في غاية النفاسة في كشفه لتردد الأئمة في تكفير بعض الأعيان مع وجود القاعدة التي أصلوها؛ فإن القاعدة التي لديهم هو تكفيره فلما أرادوا الحكم عليه امتنعوا من ذلك حين رأوا ما فيه من صلاح ذاتي- أعمال صالحة، ذكر الله، صلاة الليل، صدقات .. - وما رأوا من هم لديه ورغبةً في خدمة دين الله تعالى فوقعوا في الحيرة فعادوا على القاعدة بالتغيير، وهذا يقع مع الكثيرين وإلى يومنا هذا ولولا مخافة الإطالة لذكرت صورًا متعددة لهذا الذي قاله الإمام، وهو يبين لك كذلك أن المرء لا تحكمه القاعدة فقط في الحكم والفتيا بل لا بد من اطمئنان نفسه في الحكم على المعين، وسمي هذا التعارض بين القاعدة والواقع من تعارض الأدلة، فاهتم لهذا جدًا واعذر

(1) إحياء علوم الدين (2/ 122) .

(2) في الأصل: تخليدهم، وما أثبتناه هو الصواب.

(3) مجموع الفتاوى (7/ 618، 619) .

(4) مجموع الفتاوى (12/ 487، 488) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت