فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 1908

وكان تشكيل الدولة والإعلان عنها حركة سياسية استباقية لاحتمال هروب مفاجئ للعدو الصليبي في أية لحظة .. وكان فيه فوائد أخرى وإيجابيات ستتبيّن للمتلبّثين إن شاء الله.

والحاصلُ أن الإخوة في الأرض وعلى الميدان لهم وجهٌ وجيه في إعلان هذه الإمارة، والله أعلم، وهم عندنا ثقات مؤتمنون والحمد لله، وما يوجد من ملاحظات وقصور نرجو أنه ينصلح مع الوقت وتظافر الجهود إن شاء الله.

ولهذا فكما قلتُ لك: الشيخ «حامد» هو عالم وله اجتهاده وهو أدرى بما يقول، وكذا غيره من العلماء لو أدلى أيُّ أحدٍ برأيه، لكني وددتُ لو أن الشيخ ? ووفقه اكتفى بنهي الإخوة عن محاولة إجبار الناس على البيعة واعتبار مَن لم يبايع خارجًا عن الجماعة مثلا وباغيا، لو صح هذا أصلا، لأن هذا ليس صحيحا عن إخوة «الدولة» بهذا الإطلاق، ويحتاج إلى شيء من التفصيل والتوضيح، ولا داعي لدعوة «الدولة» إلى أن تحلّ نفسها وترجعَ كما كانت تنظيما مثل سائر التنظيمات.! لأن هذا والله أعلم ليس سديدًا من عدة جهات:

منها: أن الدولة لم تكن تنظيمًا معينًا، بل هذه فكرة يروّجها الأعداء بالأساس، ثم الخصوم على درجاتهم المتفاوتة، لأهداف خبيثة معروفة، وأهواء، وسوء فهم في أحسن الأحوال، بل الحق والإنصاف يقضي بالإقرار بأن الدولة تشكلت من مجلس شورى المجاهدين وهو كان مكونًا من عدة تنظيمات صغيرة مع تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» ، ثم كل هؤلاء مع جماعة من شيوخ العشائر ووجهائها، وكتائب أخرى من فصائل أخرى شكلوا حلفا سمّوه حلفَ المطيبين ثم شكلوا الدولة، وهذا في الحقيقة، سواء وافقه الإنسان أو خالفه، هو عمل سياسي ذكيّ وقويّ.! والله أعلم.

ومنها: أن المتقرر في فن السياسة والحرب وتدبير المُلك أن التراجُعَ عن مثل هذه الأمور الاجتهادية المحتملة بعد إبرامها ليس من الحكمة، وأن القادة السياسيين إذا عقدوا أمرًا واتخذوا قرارا لا ينبغي لهم -ما دام اجتهاديا محتملا، له وجهٌ- أن يرجعوا عنه إلى غيره من الاجتهاد، حتى ينتهي أمده، ويبلغ الكتابُ فيه أجله.! وفي ذلك حكمٌ معروفة، وهذا أصل قد تقرر شرعا وعقلا، ومن دلائله: «أن الاجتهاد لا ينقض باجتهادٍ» في باب القضاء، والحُكمُ المُلكي شبيه به، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) لفظ أحمد في المسند، وصححه لغيره محقق المسند (1) ، أو

(1) مسند أحمد (14788) ، سنن الدارمي (2205) وقال محققه حسين سليم أسد: «إسناده صحيح على شرط مسلم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت