فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 1908

وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) [محمد] ، وقال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] الآية.

وفي الحديث الذي في الترمذي -إن صحّ-: (قد قالها الناسُ ثم كفر أكثرهم) ، لكنه ضعيف الإسناد، وقد أشار الترمذي نفسه إلى تضعيفه (1) ، والله أعلم.

وقال الصحابة والتابعون: «إذا أعجبك كلامُ أحدٍ؛ فتأن حتى تنظر في عمله فإن وافق فعله قوله فذاك وإلا فدعه» .

كما قال ابن مسعود: «إن الناسَ قد أحسنوا القولَ كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومَن خالفَ قوله فعله فإنما يوبّخ نفسَه» (2) ، وكلامهم في هذا كثير جدا لو تتبعناه.

ومعلومٌ كلام سيدنا عمر - رضي الله عنه - في مسألة تزكية الشاهد حين قال لمن زكى شاهدًا: «أهو جارُك الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه، أو سافرتَ معه فعرفته (3) ، أو عاملته بالدرهم والدينار» (4) ، يعني الابتلاء والاختبارات من خلال العمل والمعاملة وطول العشرة والصحبة.

والمقصود أن التزكية لا يقتصر فيها على القول، بل لا بد من النظر في العمل وانتظار التجارب ووضع الإنسان على المحكات، والمعاشرة للإنسان والخبرة به، وعندما نعبّر بالخبرة فإنك لا بد أن تلاحظ أن معنى الخبرة يدور حول المعرفة ببواطن الأمور، وبواطن أمور الإنسان إنما تبينُ للمخالط له المجرب المعاشر القريب الذي بلاه وعرفه ليلا ونهارًا وفي السراء والضراء وسائر الأحوال.

ولهذا عندما نرى مناهج الجماعات المكتوبة مثلا، فكثيرٌ منها حسنٌ طيبٌ في ظاهره، قد يعجبك بل قد يسحرُك وتجد فيه إتقانا وحسن تقسيم وتنويع، وضربًا على أوتار حسّاسة ونفوذًا من خلال مسام الوعي واللاوعي، وذكاء وألمعيّة وأدبًا جمًّا، فهذا جيد، لكن لا تتسرع في تزكيتهم والثناء عليهم والشهادة لهم، حتى ترى العملَ وتخبُرَ الحقيقة وراء هذا القول الجميل.

هذا من الأهمية بمكانٍ الانتباه له، والله وليّ التوفيق.

(1) سنن الترمذي (3250) قال: «هذا حديث غريب لا نعرفه من هذا الوجه» ، وضعف إسناده الألباني.

(2) الزهد لوكيع (266) ، وجماعات من طريقه.

(3) لأن السفر يظهر حقيقة الإنسان غالبا. [المؤلف]

(4) سنن البيهقي (20400) وصححه الألباني في: إرواء الغليل (2673) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت