وهذا يدلك على جوانب من فقه الإخوة المجاهدين، ومثال يُساق للذين يكثرون من اللوم والقول بأن المجاهدين لا يحسنون تحييد الخصوم ويكثرون من فتح الجبهات ولا يعرفون كيف يستوعبون الناسَ. والله المستعان.
وعلى كل حال فإن هذا الحق والمنهج الإسلامي الشامل المتكامل الذي عليه المجاهدون هو منهج الإسلام والفطرة، وهو أحق ما اجتمع عليه أهل الإسلام، الذين فيهم الخير ولم تفسد فطرهم، وهو يجمع الطيّبين الخيّرين لأن البلد الطيب يخرُج نباتُه بإذن ربه أي طيّبًا، والخير يأتي بالخيّرين ويأتي إليه الخيّرون أهل الخير، وهكذا المناهج الضالة يأتي إليها أشباهها، والبلد الذي خبث لا يخرُج نباته إن خرج إلا نكدًا، والمزوّق يأتيه أهل التزويق والزخرف .. ! قال الله - سبحانه وتعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) } [الصافات] .
فكيف يقال: إن هذا المنهج الذي عليه المجاهدون لا يستوعب الناس ولا يجمعهم، بل هو أحق ما جمع الناس واستوعبهم على علاتهم وعلى قصورهم ونقصهم، على حد التوجيه القرآني العظيم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف] ، لكن لكل شيء حدودٌ، فما دام الإنسان مسلمًا فهو أخ يجب له حق الولاء والنصرة وإن كان مقصرا أو فاسقا عمليا أو اعتقاديا، لكن كما قلنا من قبل: هذا لونٌ والسماح له بسهولة أن يتولى القيادة إذا جاء يزاحِم عليها، لونٌ آخر .. !
أيضا بمناسبة الكلام على التزكية وفقهها وتجاربها، لا بد من التذكير دائما بأن المدار في تزكية أي إنسان أو جماعة هو العمل وليس مجرد القول فقط، نعم القول مطلوب، وهو المعبّرُ الأول والسريع عن الإنسان أو الجماعة، لكن عندما نسمع القول الحسن، لا بد أن نقف وننتظر قليلا ونقول: قد سمعنا قولكم وهو قول حسنٌ، فسنرى فعلكم .. !
هذه قاعدة مهمة جدا، والخطأ فيها مكلّف ولا سيما للكبراء الذين يسمع الناس تزكياتهم من علماء أو قيادات وزعامات سياسية واجتماعية؛ وهذه القاعدة مدلول عليها في الكتاب والسنة، ودلت عليها التجارب واتفق عليها العقلاء كافرهم ومسلمهم.
ففي كتاب الله من أدلتها الكثير وفي السنة والسيرة النبوية وسير أهل العلم والجهاد من الأئمة في الدين والقدوات والقادات الصالحين على مر التاريخ، وحتى عند أهل العقل والتجارب من الكفار.
قال الله - سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقال: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) } [العنكبوت] الآية، وقال - عز وجل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ