أمام الناس، ثم قد يصلون إلى درجة لا يبالون بشيء ويكفرونهم كما ذكرنا.
-ومنها: أنهم مع مرور الوقت أيضا يكتشفون كثرة وقوة مناقضتهم لمقاصد الشرع ومبانيه وأصول الدين المتقررة بأنواع الدلالات غير النصية؛ فإنهم يجدون أن الشرع يميل إلى العذر ويتشوّف إليه، ويكثر من مدحه والحث عليه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وليس أحدٌ أحبَّ إليه العذرُ من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل) متفق عليه وهذا لفظ مسلم (1) ، كما يتشوّف إلى التيسير والسهولة والتخفيف، وهم بعكس ذلك كله، فيوجب لهم ذلك تأنيبَ ضمير مضافا ومكررًا، حتى ليصل الحالُ ببعضهم إلى أن يكره أن يسمع أو يقرأ من القرآن والحديث آيات وأحاديث التيسير والعذر والتخفيف ونحو ذلك .. ! وهذا هو شأن صاحب البدعة والفسوق (وهو الخروج عن طاعة الله - سبحانه وتعالى - وصراطه المستقيم) أنه يصير عنده حرجٌ من الآيات والأحاديث التي تخالف بدعته وفسقه، فيدخل بذلك تحت طائلة قول الله - عز وجل: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء] ، وقد ذكر هذه الفائدة «ابنُ القيم» في بعض كتبه، ونقل في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية» عن ابن أبي حاتم وعبد الله بن الإمام أحمد في كتابيهما «السنة» ، أنهما رويا عن الجهم بن صفوان أنه تلا قوله - سبحانه وتعالى - {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه] ، فقال: «لو وجدتُ السبيلَ إلى أن أحكها من المصحف لفعلتُ» (2) ، نسأل الله العافية والسلامة والتثبيت على الحق .. آمين.
قال ابن القيم - رحمه الله - في كتابه «الفوائد» ، عند كلامه على أنواع هجر القرآن: «وكذلك الحرجُ الذي في الصدور منه؛ فإنه تارة يكون حرجا من إنزاله وكونه حقا من عند الله، وتارة يكون من جهة التكلم به أو كونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غيرَهُ أن تكلم به، وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا يكفي العباد، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السياسات، وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة، وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الأمر أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة، فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن، وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم، ولا تجد مبتدعا في دينه قط إلا وفي قلبه حرجٌ من
(1) صحيح البخاري (7416) ، صحيح مسلم (2760) .
(2) اجتماع الجيوش الإسلامية (2/ 225) .