فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 1908

بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] ، وقال -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة] أي لأوقعكم في العنت وهو الضيق والشدة والمشقة العظيمة القاهرة، أي ولكنه لم يفعل بل كان بكم رحيما لطيفا يسر عليكم ولم يكلفكم إلا ما تطيقون من الأعمال في معتاد أحوال البشر، والحمد لله رب العالمين.

وقال - سبحانه وتعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لوقعتم في العنت وهو الضيق والشدة الشديدة {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) } [الحجرات] ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة معروفة والحمد لله.

والمقصود: التحذير من حال هؤلاء بضرب الأمثال، وتعريف إخواننا الطيبين سوءَ أحوالهم ووخامة مآلهم، وما يحتوون عليه من تناقضات تؤدي بهم إلى الكفر الصريح في كثير من الأحيان، وإلى المروق الصريح من الدين بالفسوق والعصيان الواضح .. لهذا عنون الشيخ «أبو محمد المقدسي» -فرج الله عنه، وهو الخبير بهم العارف بطرق ضلالاتهم- كتابه «الرسالة الثلاثينية» بـ «رسالة الجفر في أن الغلو في التكفير يودي إلى الكفر» (1) .

ولا شك أن هذا الذي عليه هؤلاء القوم ليس هو حال «المسلم» الذي وصفه القرآن والسنة، ولا هذا الدين هو دين الإسلام كما كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

لا والله .. إنما هؤلاء مارقون، مرقوا من الدين من باب الغلوّ والتشدد والإفراط والزيادة في الدين، كما أن العلمانيين والمتزندقة الملحدين العصريين وأمثالهم مرقوا من الدين من باب النقصان منه والتفريط فيه والترك له اتباعا لشهواتهم، وهذان هما سبيلا الشيطان؛ لإخراج الناس من النور إلى الظلمات؛ كما قال بعض السلف: «ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر؛ إما غلو فيه، وإما تقصير عنه» (2) ، وانتظروا وسوف ترون بأم أعينكم كيف يؤول إليه حال هؤلاء المفتونين المارقين المخلف وأتباعه، إن استمروا في هذا الطريق ولم يتداركهم الله برحمته، ووالله لقد رأيناهم وجربناهم في أكثر من بلدٍ يتركهم الطواغيت المرتدون يرتعون ويسرحون ويمرحون في البلاد لا يمسونهم بسوء، رأينا ذلك بأم أعيننا وجربناه في ليبيا في أواخر الثمانينات من القرن الإفرنجي الماضي، حين كانت الحملات على الإخوة الملتزمين على أشدها من قبل الطاغوت القذافي وزبانيته

(1) هي «الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير» وقد سماها الشيخ بـ «الجفر» لأنه فرغ من تبييضها في معتقل «الجفر» .

(2) قاله مخلد بن الحسين، ينظر: سير أعلام النبلاء (9/ 236) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت