واستخباراته، ومع ذلك كانوا يتركون الخوارج «التكفيريين» ولا يقربونهم بل يفسحون لهم كل مجال، لماذا؟ لأنهم يدركون أنهم يقدمون لهم خدمة مهمّة، وأنهم لا يشكلون أي خطر عليهم، بل هم أعوانٌ لهم في الحقيقة على المسلمين المستضعفين.!! كيف لا وصفتُهم التي وصفهم بها الصادق المصدوق أنهم (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (1) .
وهكذا سمعنا عنهم في أماكن وبلدان أخرى، والقصص متشابهة في كل مكان، وسترون ذلك في هؤلاء أيضا؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، وهذا لعمر الله برهانٌ لمن كان له قلبٌ وتدبّرٌ وإرادة للحق، إذ كيف يرضى الطاغوتُ عنهم ويتركهم يسرحون ويمرحون في البلاد، لو كانوا على الحق وجادّة التوحيد وطريق محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.! لكن الطاغوت يدرك أنهم بذرة فساد في «الجماعة المسلمة» أي في وسط المسلمين، فيتركهم يفسدون وربما دعمهم وفسح لهم وأمدّهم في طغيانهم ليضرب بهم المسلمين.! وحسبنا الله ونعم الوكيل، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } [الأنفال] .
وهذه كانت مقدمة نصحا لإخواننا وتذكيرا وتنبيها لمن أراد أن يتعظ ويعتبر، فإن العاقل من اعتبر بغيره، واتعظ، ولا يجرب كل شيء بنفسه، إذن لهلك الناسُ كلهم لو أراد كل أحدٍ أن يجرب كل شيء .. ! والسعيد من وقيَ الفتن، فاجتنبوا الفتن، وابتعدوا عنها وعن أهلها، واعتصموا بالله - سبحانه وتعالى - وأكثروا من الدعاء والإلحاح على المولى - عز وجل - أن يمن عليكم بالهداية والسداد، فإن التوفيق كله بيد الله - سبحانه وتعالى - وحده لا شريك له.
وأنبه إلى أن المقصود مما تقدم هو الكلام على صفات وأحوال ومآلات أمثال هؤلاء وجنسهم وضئضئهم، ولا يلزم منه أني أحكي عن هؤلاء المفتونين الحاليين الآن كل ما ذكرته من تفاصيل؛ فقد يكون فيهم الآن قليلٌ أو كثير مما ذكرنا، وهم على خطرٍ عظيم، فليعتبر المعتبرون وليتفكرْ أولو الألباب، نسأل الله العافية والسلامة.
(1) صحيح البخاري (3344، 7432) ، صحيح مسلم (1064) .