فهرس الكتاب

الصفحة 663 من 1908

وقضاء، ووعدا ووعيدا.

وأما مَن لم يصله العلم (لم يبلغه) فإنه لا يجب عليه، وقد يجب عليه البحثُ والتعلم والطلب والسؤالُ، ويُؤاخَذُ على التقصير، وقد لا يجبُ؛ فالعلم منه الواجب العيني ومنه الكفائيّ والمستحبّ، وهكذا، والمقصود أن الوصية الكبرى للإخوة أن يتمسكوا بالإيمان الجملي، إيمان العجائز إن شئتم .. ! ويتركوا ما لا يستطيعون فهمه وتحقيقه من المسائل إلى أهلها المتخصصين من أهل العلم، ويقولوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ويكلوا ما لم يفهموه وما لم يقفوا على تحقيقه إلى الله - عز وجل -، والله سبحانه يفتح عليهم بالتوكل والصبر والصدق في البحث والطلب، وبإتيان الأمور من أبوابها، وعدم الاستعجال المذموم.

فأوصي إخواني بالحذر من هؤلاء المفتونين والبُعد عنهم والمتاركة لهم، ولا يسمعوا لهم ولا يجادلوهم ولا يماروهم إلا مراءً ظاهرًا إن كان لا بدّ، وليصبروا وليثبوا على دين الله - سبحانه وتعالى -، ولا يستعجلوا في السعي في مناظرتهم أو تحصيل الجواب على كل إيراداتهم، وليتمسّكوا بالمحكمات الواضحات البيّنات في دين الإسلام، وليقتدوا بالأئمة الراسخين في العلم وما عليه عمومهم وليحذروا من الشذوذ والتفرد، وليكلوا علمَ ما لم يعلموه إلى الله - سبحانه وتعالى -، والله يفتح عليهم.

قال ابن القيم - رحمه الله: «وقال لي شيخ الإسلام - رضي الله عنه - وقد جعلت أُورد عليه إيرادًا بعد إيرادِ: «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًّا للشبهات» أو كما قال؛ فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها؛ فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر؛ فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها، وأما صاحب العلم واليقين؛ فإنه لا يغتر بذلك، بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسها فينكشف له حقيقتها» .. إلخ كلامه فانظره بتمامه في «مفتاح دار السعادة» (1) وتأمّله فإنه حكمةٌ.

الثاني: تدبروا أحاديث الإيمان وانظروا فيها وتأملوها، وانظروا كيف كان الرجل يأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول له: «ما الإيمان؟» فيقول مثلا: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

(1) مفتاح دار السعادة، ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 140، 141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت