بُرآء وله مجانبون وعنه حائدون، {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) } [هود] ، (قل آمنتُ بالله ثم استقم) رواه مسلم وأحمد وغيرهما (1) ، (ثلاثٌ مَن كن فيه وجدَ بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يحبّه إلا لله، وأن يكرَهَ أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يُقذَفَ في النار) متفق عليه (2) .
واعلموا أن أهل الضلال والبدع لا تكاد تنقطع فتنتهم واعتراضاتهم وتشكيكاتهم، لأنهم أهل بدعةٍ وهوىً، فلا يكاد يقمعهم شيء حتى يصطدموا بصخرة الواقع ويرون العذابَ الأليمَ أو يفجأهم الموت ولات حينَ مرجع ولا ندم .. ! نسأل الله أن يقينا وإياكم مضلات الفتن؛ فمثلا سيقول لكم المخلف: إن ما يدعو إليه هو من الدين ومما يلزم المسلمَ الاستقامةُ عليه، ولا يكون مستقيما حتى يستقيم عليه، ولا يكون كذا إلا بكذا وكذا .. هكذا مما تعرفونه وجرّبتموه من تهويلاتهم وافتراءاتهم على الله ودينه.
ولكن أنتم يكفيكم ما هو بيّن واضحٌ في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وما عليه سلفنا الصالح ومن سارَ على نهجهم كما ذكرنا، وقولوا له: إن الله - سبحانه وتعالى - قال: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} فأين أمرنا اللهُ - سبحانه وتعالى - بما تأمُرُ به أنت أيها المخلف، فلن يجدَ جوابًا إلا التخريف والادّعاء والتلفيق المتهافت.!
وقولوا له: إن الله - سبحانه وتعالى - زادنا فقال: {وَلَا تَطْغَوْا} أي لا تجاوزا ما حدّ الله لكم وبيّن لكم من الدين، والطغيان يكون عادة بالزيادة ومجاوزة الحد، وقد يكون بالنقصان والتفريط لأنهما مخالفةٌ وخروجٌ عن الحد، أو يكون دلالة {وَلَا تَطْغَوْا} على النهي عن النقصان والتفريط أيضا من جهة بلاغية أخرى كالاكتفاء، والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - أمرَنا أن نستقيم على ما أمرَ به - عز وجل -، ونهانا عن الخروج عنه ومجاوزته، وما أمرَ الله - سبحانه وتعالى - به، هو بيّن واضحٌ في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وما يحتاج إلى توضيحٍ قد شرحه العلماءُ وبيّنوه ووضحوه في كتبهم، قال الله - سبحانه وتعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] ، فما لم يكن كذلك فليس هو مما أمرَ الله به، إلا أن يقول الفقيهُ: أرجو أنه كذا، وأخشى أنه كذا .. أما ما أمرَ الله به مما يصحُّ أن نقول فيه بإطلاق إن الله قد أمرَ به، فهذا بيّن لا يخفى، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحلالُ بيّنٌ والحرامُ بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات) الحديث متفق عليه (3) ، وقال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا
(1) صحيح مسلم (2368) لكن بلفظ: (فاستقم) ، مسند أحمد (15416) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(2) صحيح البخاري (16، 21، 6941) ، صحيح مسلم (43) .
(3) صحيح البخاري (52) ، صحيح مسلم (1599) .