نقية والمغربَ إذا وجبتْ (1) والعشاء أحيانًا يؤخرها وأحيانًا يُعجّلُ؛ كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل, وإذا رآهم قد أبطأوا أخر, والصبح كانوا -أو قال: كان- النبي -صلى الله عليه وسلم- يصليها بغلس» متفق عليه (2) ؛ فمعنى التعجيل هنا المبادرة بها وتقديمها في أول وقتها.
ومن ذلك حديث: « (إذا وضع عشاء أحدكم, وأقيمت الصلاة, فابدؤوا بالعشاء, ولا يعجل حتى يفرغ منه) ، وكان ابن عمر يوضع له الطعام, وتقام الصلاة, فلا يأتيها حتى يفرغ, وإنه ليسمع قراءة الإمام» متفق عليه, وهذا لفظ البخاري (3) , وفي لفظ آخر له: (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه, وإن أقيمت الصلاة) (4) .
ولذلك قد تجد في كلام العلماء ما تحتاج في فهمه إلى التفصيل المذكور؛ كقول الصنعاني في «سبل السلام» : «العجلة هي السرعة في الشيء وهي المذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة, محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها, وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة, فإن سارع بتؤدة وتأنٍّ فيتم له الأمران والضابط أن خيار الأمور أوسطها» اهـ (5) ، ونقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» عن القاري: «بونٌ بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات وبين العجلة في نفس العبادات؛ فالأول محمود والثاني مذموم» (6) اهـ.
ومما سبق بيانه تعرف أن ما كان من الإسراع والسبق والمبادرة والتقدم مذمومًا اختصّ في اللغة بلفظ العجلة؛ فلفظ العجلة -في عُرف اللغة- هو لما كان مذمومًا من ذلك, هذا هو الغالب, ولذا ولم يجئ لفظ الاستعجال في القرآن إلا في سياق النهي والذم والعيب والنعي على المشركين.
قال العلماء: «ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» , وعدوها قاعدة (7) , وقالوا: دلت عليها دلائل من الشرع والقدر, وذكروا لها أمثلة في محلها, وهي بكل حال أغلبية, والله أعلم.
وقد جاء الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذم العجلة وأنها من الشيطان: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن
(1) أي غربتْ أي الشمس. [المؤلف]
(2) صحيح البخاري (560) ، صحيح مسلم (646) .
(3) صحيح البخاري (673) ، صحيح مسلم (559) .
(4) صحيح البخاري (674) .
(5) سبل السلام (2/ 681) .
(6) تحفة الأحوذي (6/ 129) .
(7) نظمها الشيخ السعدي في «منظومة القواعد الفقهية» بقوله: مُعاجل الشيء قبل أوانه ... قد باء بالخسران مع حرمانه.