كيف وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (بادرني عبدي بنفسه؛ حرَّمتُ عليه الجنة) (1) ، وهذا من المبادرة المذمومة قطعًا ويقينًا بهذا النص وغيره، وهي من العجلة التي بيّنّاها، والتي هي من الشيطان، وهو من أدلة تحريم الانتحار تحريما شديدا جدًا.
وإنما جوّزنا الاستشهاد لأنه ليس بانتحارٍ (فرَّقنا بينه وبين الانتحار) وهو موضع ضرورة أو ما يقاربها لنصر الدين لا غير، وقد دلَّتْ عليه الأدلة كما هو مبسوط في موضعه؛ فهل يقول إنسانٌ إنه يصلح أن نجعل من عبارة هذا الحديث القدسي شعارا للقيام بالعمليات الاستشهادية فنقول مثلا: بادرتُك يا رب بنفسي؟! لا شك أن هذا خارج عن معاني البلاغة والذوق والأدب!! وبالله التوفيق.
وقد راجعتُ أكثر التفاسير المعتبرة لعلمائنا لأقف على معنى الفاء في قوله: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} [طه: 85] فلم أرَ أكثرهم تعرّض له، حتى وقفتُ عليها في كلام الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في سفره الثمين «التحرير والتنوير» ، قال: «والإعجال: جعْل الشيء عاجلًا، ولا استفهام مستعمل في اللّوْم. والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه الآية: أنّ موسى تعجَّل مفارقة قَومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبّان الذي عيّنه الله له اجتهادًا منه ورغبةً في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسرائيل بجبل الطور، ولم يراعِ في ذلك إلا السبقَ إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه اللهُ على أن غفل عن مراعاة ما يحفّ بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذّرهم مكر من يتوسّمون فيه مكرًا، فكان في ذلك بمنزلة أبي بكرة حين دخل المسجد فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- راكعًا فركع ودَبّ إلى الصف فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ) (2) ، وقريبٌ من تصرّف موسى - عليه الصلاة والسلام - أخذُ المجتهد بالدليل الذي له معارضٌ دون علم بمعارِضِه. وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه .. وقوله هنا {هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي} يدل على أنّهم كانوا سائرين خلفه وأنه سبقهم إلى المناجاة، واعتذر عن تعجّله بأنه عجل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه، فقوله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} فيه ضربٌ من المَلام على التعجل بأنّه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلّمه أن لا يتجاوز ما وُقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير» (3) اهـ.
وعليه .. ففي الآية بيانُ أن العجلة قد تتسبّب في نوعِ بلاءٍ وفتنةٍ، وإن وقعتْ عن اجتهادٍ أحيانًا، وفيه
(1) صحيح البخاري (3463) .
(2) صحيح البخاري (783) .
(3) التحرير والتنوير (16/ 277) .