فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 1908

وإكراما له بهذا القول وتسكينا لقلبه ورقة عليه، فقال مجيبا لربه: {هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني، يقال: رجل عَجِلٌ وعَجُلٌ وعَجُولُ وعَجْلانُ بيّنُ العجلة، والعجلة خلاف البطء» (1) اهـ.

وفي البيضاوي: « {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يامُوسَى} سؤالٌ عن سبب العجلة يتضمّن إنكارَها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهامُ التعاظم عليهم؛ فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدّم جواب الإنكار لأنه أهم؛ {قَالَ} موسى: {هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي} أي ما تقدَّمتهم إلا بخطى يسيرة لا يعتدّ بها عادةً، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدَّم بها الرفقة بعضهم بعضا، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} ؛ فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجِبُ مرضاتك» (2) اهـ.

ونقل الألوسي عن بعض العلماء «أن المراد من سؤال موسى - عليه الصلاة والسلام - عن سبب العجلة -وهو سبحانه أعلم- أن يعلّمه أدب السفر، وهو أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم؛ ليكون بصره بهم ومهيمنًا عليهم، وهذا المعنى لا يحصل مع التقدم، ألا ترى كيف علم الله تعالى هذا الأدب لوطًا فقال سبحانه: {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} [الحجر: 65] فأمره - عز وجل - أن يكون آخرهم» اهـ، ونقل عن بعضهم أيضا واستحسنه أن: «المعنى: أي شيء أعجلك منفردا عن قومك، والإنكار بالذات للانفراد عنهم؛ فهو منصبٌّ على القيدِ كما عُرف في أمثاله، وإنكار العجلة ليس إلا لكونها وسيلة، فاعتذر موسى - عليه الصلاة والسلام - عنه بأني أخطأتُ في الاجتهاد، وحسبتُ أن القدر اليسيرَ من التقدّم لا يخلُّ بالمعيّةِ، ولا يُعدّ انفرادًا ولا يقدح بالاستصحاب، والحامل عليه طلب استدامة مرضاتك بالمبادرة إلى امتثال أمرك؛ فالجواب هو قوله: {هُمْ أُولاَء عَلَى أَثَرِي} وقوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} هو كالتتميم له» (3) اهـ.

وإنما اعتنيتُ ببيان معنى هذه الآية الكريمة لإخواني؛ لما فيها من بيان كراهية العجلة على المعنى الذي وضحناه فيما سبق، ولأني رأيت بعض الناس يجعلون من قول موسى - عليه الصلاة والسلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} شعارًا في بعض المناسبات، كضرورة خوض العمليات الفدائية (الاستشهادية) ، وهي عندي جائزة ولله الحمد بشروطها، لكن لا يناسبها أن تجعل هذه العبارة شعارًا لها؛ فإن هذا إنما هو مقام الاعتذار عن الخطأ؛ فكيف يحسُنُ أن يجعَل شعارًا؟! والله أعلم.

(1) تفسير القرطبي (11/ 233) .

(2) أنوار التنزيل للبيضاوي (4/ 35) .

(3) روح المعاني للألوسي (8/ 552) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت