«لفٍّ ولا دورانٍ» ، وهذا ما تستحقونه من معاملة ويليق بكم، ولن تجدوا خيرًا منه، وأهلُ الإسلام هم أهلُ تقوى وخوفٍ من الله ومراقبةٍ وصدقٍ وطاعة ظاهرةٍ وباطنةٍ، والحمد لله رب العالمين.
وهذا مما يوضح لك معنى «الواقعية» التي يذكرها علماؤنا وأدباؤنا والتي هي من خصائص دين الإسلام، وهي حقٌّ.
11)وقد أوصتِ الشريعةُ المطهرةُ خيرًا بأهل الذمة والمعاهَدين والمستأمنين، وجعلت لهم أحكامًا وحقوقًا، وهي راجعةٌ إلى احترامِ وتعظيمِ «عهد الله» و «ذمةِ الله وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-» ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا) رواه البخاري (1) ، وأَمَرَت بالإحسان إلى أهل الذمة وحسنِ معاملتهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، كما قال سيدنا عمر - رضي الله عنه: «أوصي الخليفةَ من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدارَ والإيمانَ؛ أن يقبل من محسنِهِم، ويُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يُقَاتَل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم» رواه البخاري (2) ، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8] .
12)ومن أعظم مقاصد الإسلام في هذا الباب مقصِدُ الهداية للخلق، بحيث يتعرَّض الكافرُ الذميُّ لفرصةٍ كبيرةٍ للتعرف على الإسلام ورؤية محاسنه ورِفعَةِ آدابه وعلوّ شأنه، وما في أحكامِه وفقهه من إتقانٍ شاهدٍ بأنه من عند الله، وما فيه من الرحمة والعدل والإحسان والصلاحِ والطهارةِ والكرامة والكمال والجمال، ومدى تأثيره الطيب الجميل على النفس والاجتماع البشريّ، وأنّه خيرٌ كله وصلاحٌ وبركةٌ .. ويعرف -إن كان يريد أن يعرف- أنه الحق المبين من عند الله رب العالمين؛ فيُسلِمُ، وهذا من معنى قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، قال أبو هريرة - رضي الله عنه: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» (3) ، وروى أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عجب الله - عز وجل - من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) رواهما البخاري (4) ، قال العلماء: معناه
(1) صحيح البخاري (3166، 6914) .
(2) صحيح البخاري (1392) .
(3) صحيح البخاري (4557) .
(4) تقدم الأول، وأما الثاني ففي: صحيح البخاري (3010) .