إلى كراهيته أن يسمع كلامه هذا أحدٌ غير الذي يتحدث إليه؛ فكان في قوة التصريح بالائتمان.
وكان بعضُ كبراء وأشراف العرب وغيرهم يأنفون أن يلتفت الرجل إذا مشى في طريق، أو كلمه أحدٌ من خلفه، وهذا الأخيرُ مظهَرٌ من مظاهر الكبر والتعالي والعياذ بالله، وإن كان أصله ملاحظة معنى صحيح وهو المضي في الأمر وعدم التراجع ومنافرة هيئة الخائف المتردد الضعيف، لكن هؤلاء المتكبرين غلوْا في هذا المعنى، ونحن أهل الإسلام نقيّده بقيد الشرعِ، فنردّ منه ما كان لا لفائدة معتبرةٍ إلا مجرد الترفّع والتميّز، فهو كبرٌ نعوذُ بالله منه، ونقرّ منه ما كان حزمًا واستقامة أو ترهيبًا لعدوّ في موطنه، ومشية وحركة المتكبر أو المتبختر يكرهها الله إلا في «هذا الموطن» أعني موطن لقاءِ العدو لإرهابِ العدوّ، والله أعلم.
مثال ذلك: من كره الالتفات في سيره؛ لأن الالتفات يوهم أنه خائف وفيه ريبة وإزراء بالنفس، وانشغال عن مقصوده، وتعرّض للأذى بالنظر إلى ما يكره، ونحو ذلك، فهذا صحيح معتبر، وهذا محسِنٌ. ومن ترك الالتفات وكرهه مع وجود الداعي الشرعيّ للالتفات، كأن يناديه إنسان ويكلمه ويدعوه إلى خير، أو يستغيث به ملهوف، ونحو ذلك فلا يلتفت بل يمضي في طريقه، فهذا مسيءٌ، سيئ الخلق، وهو مظنة الكبر والتعالي؛ فإن كان عن كبر في نفسه فهو الكبر الذي هو كبيرة من الكبائر، عافانا الله وإياكم منه.
وكره العلماءُ كثرة الالتفات في الطريق وعدوه من خوارم المروءة، أو من صفاتِ الحمقى؛ في «الآداب الشرعية» لابن مفلح: «وقال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمك من الأحمق -أو قال من الجاهل-: كثرةُ الالتفاتِ وسرعةُ الجواب» (1) ، وفيها وفي «بهجة المجالس» لابن عبد البر: «قال إبراهيم النخعي: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق» (2) .
(يتبع إن شاء الله) (3)
(1) الآداب الشرعية (2/ 212) .
(2) الآداب الشرعية (2/ 220) ، بهجة المجالس (1/ 139) .
(3) كانت هذه هي الحلقة الأخيرة التي نُشرت قبل استشهاد الشيخ - رحمه الله - بمدة يسيرة، وظاهرٌ أن الحديث لم يتمَّ شرحه بعد، ولا ندري هل أتم الشيخُ الشرح ولكنه لم يُنشر؟ أم أنه لم يُتمَّ الشرح أصلًا؟ نسأل الله أن تكون الأولى. [الناشر]