جميعًا» (1) ، قال الزبيدي: «أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: أراد لا يلوي عنقه يمنة ويسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائشُ الخفيف، ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا» (2) اهـ، وأورد الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» حديث: «كان إذا مشى لم يلتفت» وقال: صحيح بشواهده، وذكر منها: عن ابن عباس مرفوعا به وزاد: «وإذا مشى مشى مجتمعًا ليس فيه كسل» ، وعن عوف قال: «كان لا يضحك إلا تبسّمًا ولا يلتفِتُ إلا جميعًا» وإسناده مرسل صحيح (3) .
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟، قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأشار إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر - رضي الله عنه - يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى، فلما انصرف قال: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيقَ؟! من رابَهُ شيءٌ في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء) (4) .
وفي كلام الحكماء والبلغاء أمثلة كثيرة لمعاني وتعبيرات الالتفات: فالرجل يمشي في الطريق ويلتفت: خائفٌ أو سارق أو غريبٌ ابن سبيل، ونحو ذلك، وفي ذلك ملحظٌ أمنيٌّ للأخ المجاهد فليتنبّه له! على الأخ المجاهد حيث سارَ ألا يكثر الالتفات؛ فإن احتاج إلى النظر عن جانبه أو عن خلفه، فليتخذ لذلك حيلةً، وهذا شيء ينبغي تعلّمه، وتختصّ به دورات الأمن، وهو مشروح في مذكراتها، وعلى الإخوة المجاهدين أن يتداولوا ويتناقلوا فيه الخبراتِ والمعلومات، فهو من العلم النافع لأنه من آلة الجهاد والحرب فهو جانب من جوانب الإعداد، والله الموفق.
وتقدم في الحديث: (إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفتَ فهي أمانةٌ) ؛ وجهه أنه وقعت منه الإشارة
(1) مسند أحمد (684) وحسنه الأرنؤوط، الأدب المفرد (1315) وحسنه الألباني.
(2) تاج العروس (5/ 78) .
(3) السلسلة الصحيحة (2086) .
(4) صحيح البخاري (684) .