من الآية السابقة، وكحزن النَّدم والمعصية وهو توبةٌ، وهذا موضع يدِقُّ التعبير عنه، ولا يبعُدُ استحباب إظهارِ قدرٍ من الحزنِ في مثل هذه الأحوال، وفيما يصيب المسلمين من مصائبَ وشدائد وكروبٍ؛ فإن هذا أقربُ إلى هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسَمْتِهِ، وأشبه بكمال النفس واستقامتها، وأدنى للمواساةِ، والمواساةُ من مكارم الأخلاق، والله أعلم.
فائدة: للعلماء توجيهاتٌ لحزن سيدنا يعقوب - عليه الصلاة والسلام -، ذكرها القرطبي فقال: «قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدة حزن يعقوب - عليه الصلاة والسلام -؛ فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها أن يعقوب - عليه الصلاة والسلام - لما علم أن يوسف - عليه الصلاة والسلام - حي خاف على دينه، فاشتد حزنه لذلك (1) ، وقيل: إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا، فندم على ذلك، والجواب الثالث- وهو أبينها- هو أن الحزن ليس بمحظور (2) ، وإنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب) [ابن ماجه وحسنه الألباني] ، وقد بين الله جل وعز ذلك بقوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه» (3) .
فائدة أخرى؛ في توجيه النهي عن الحزن:
المتحصل من كلام العلماء في النهي عن الحزن أنه لوجهين:
الأول: أنه متوجه إلى ما زاد عن القسم الطبيعي الجبلِّي منه، وهو ما كان للإنسان طاقةٌ بضبطه والتحكم فيه، وذلك لأنه سببٌ لمفاسدَ كثيرةٍ من تركِ عملٍ صالح كترك الدعاء أو الجهاد، أو فعل محرم، كالنياحة واللطم وشق الجيوب وما شابهه مما نهت عنه الشريعة من مظاهر الجَزَع والتسخط المنافية للصبرِ الواجبِ؛ فيُؤمرُ المكلَّفُ بأن يكُفَّ نفسه عن الحزنِ وأن يجاهِدَه، ويستعيذ بالله منه.
الثاني: أن النهي عن الحزنِ نهيٌ عن أسبابه الجالبة له؛ قال الشيخ الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في قوله - سبحانه وتعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] : «والوهَنُ والحزنُ حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتب عليهما الاستسلامُ وتركُ المقاومة، فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد» (1) اهـ.
(1) أي: فحُزنُه راجعٌ إلى الدين، فهو حزنٌ على الدين ولأجله، أي وذلك محمودٌ، لما يتضمنه من تعطَفٍ على الدين وولاء له، ولأنه سبب دافع إلى خيرٍ وغيرةٍ للدين!. [المؤلف]
(2) أي كله جملةً، والتفصيل بالتفريق بين الطبيعيّ وغيره أولى. [المؤلف]
(3) الجامع لأحكام القرآن (9/ 248، 249) .