الخلود المذكور في الآية أنه ليس كخلود الكفار والمشركين في النار، وإنما هو دون ذلك قطعًا للأدلة من الكتاب والسنة أن الموحدين لا يخلدون في النار، ولكنه تعبير عن شدة وطول عذابهم في جهنم والعياذ بالله، وفي هذا كفاية للمتّعظين، ومزدَجَرٌ للمتهورين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي السنة المطهرة في ذلك شيء يصعب حصره؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (1) ، وفيهما من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) (2) وذلك تعبيرٌ عن عِظم شأنها عند الله، وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما) (3) ، وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما: «إن من ورطات الأمور، التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله» (4) ؛ فاللهم إنا نسألك العافية والمعافاة الدائمة يا رب العالمين، وفي السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) (5) ، وفيها كذلك: (كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يقتل المؤمن متعمدا، أو الرجل يموت كافرا) (6) ، ويكفي المسلم أن يراجع كتاب «الترغيب والترهيب» للمنذري في بابِ: «الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» (7) ليطلع على ما تُرعَبُ منه القلوب وتقشعر منه الجلود في ذلك.
وللمجاهدين خصوصًا في قصتي أسامةَ بن زيد والمقداد بن عمرو - رضي الله عنهما - عبرَةٌ ودروسٌ لمن أراد الله واليوم الآخر وكان مجاهدا حقا في سبيل الله، من الذين قال الله فيهم: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) } [القصص] ، وقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
(1) صحيح البخاري (2766، 6857) ، صحيح مسلم (89) .
(2) صحيح البخاري (6864) ، صحيح مسلم (1678) .
(3) صحيح البخاري (6862) .
(4) صحيح البخاري (6863) .
(5) سنن الترمذي (1395) ، سنن النسائي (3987) لكن زاد: (بغير حق) وهي زيادة مهمة، سنن ابن ماجه (2619) وصححه الألباني.
(6) سنن أبي داود (4270) ، سنن النسائي (3984) وصححه الألباني.
(7) الترغيب والترهيب (3/ 200) .