فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 1908

وأنجب وربّى أطفالا وعرف الناس وعرفوه وتكوّنت له في قومه قيمة، كانت هذه القيمة تدور كلها باتفاق جميع المؤرخين على صفات الصدق والأمانة والذكاء وقوة العقل وفصاحة الكلمة وحسن الأخلاق ومكارم السجايا والتشبّع بالفضائل التي يتنافس الرجال العقلاء عادة في تحصيلها والافتخار بها من الكرم والشجاعة ورفض الظلم والضيم والذل ومساعدة المحتاجين والعطف على الضعفاء والخدمة للناس ومساعدتهم ومحبة الخير لهم والبعد عن المعايب والشرور والصفات المذمومة التي ينفر منها كل العقلاء، ومع ذلك فقد كان -شأنه شأن الأغلبية الساحقة من أهل زمانه- أميّا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.

بعد بلوغه هذا العمر أعلن أنه قد جاءه الوحيُ من السماء، وأن الله قد أوحى إليه وبعث إليه ملكًا من الملائكة يعلمه الدين والرسالة، وأخبره أن الله اختاره ليكون رسولا للعالمين وأنه خاتم الأنبياء والرسل، لا نبيّ بعده.

وبدأ محمد -صلى الله عليه وسلم- ينشر دعوته في البداية بشكل سريّ في أصدقائه الموثوقين ومعارفه وأقاربه.. واستجاب له مجموعة من الرجال والنساء من أهل بلدته، ثم بدأ يتوسّع في دعوته وأعلنها وصرح بها.. فعارضه قومه ووقفوا ضدّه بكل قوة وعناد، وكذبوه ورموه بشتى أنواع التهم؛ قالوا ساحر، وقالوا كذاب، وقالوا مجنون، وقالوا شاعر أديب فصيح يسحر الناس بكلامه، وقالوا أشياء كثيرة فيها تناقض عجيب.! صبر على تكذيبهم له، وتحمّل إيذاءهم له في شرفه وسمعته وحتى في جسده.. ! في سبيل نشر دعوة الله التي أمره بتبليغها للناس، ولم تكن الدعوة لتنتشر أبدا إذا لم يصبر عليها صاحبها ولم يبدأ بقومه ولم يصطنعْ منهم أنصارا.. كان يواجه شراسة قومه وعنفهم ضدّه باللين والرفق والعفو والصفح.. هم يؤذونه ويعذبون أصحابه الضعفاء ويسخرون منهم ويستهزئون بهم ويقاطعونهم ويحاصرونهم.. وهو مستمر في دعوتهم إلى الخير ويشرح لهم الرسالة التي بعثه الله بها: يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عما كان يعبد آباؤهم مما سوى الله أو يشركونهم مع الله، ويأمرهم بالصلاة والصدقة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، وبمبادئ الخير ويذكرهم بها ليل نهار وبكل الطرق والوسائل المتاحة، ويصبر على كلامهم غير اللائق ويرجو لهم الخير، وقد كان الخير حقا في دعوته، ولكن الإنسان كثيرا ما يكون عدوّ ما جهل.!

كان يريد لهم الخير والعز والشرف والسعادة في الدنيا والآخرة، وكانوا يريدون لأنفسهم الخسران.! وكان سادة قومه وكبراؤهم يقودون ضده حملات التشويه والتنفير بكل ما أوتوا من قوة ومال.. ! حقا لقد كان أكثر قومه في عماية وغشاوة بسبب كثير من العوامل التي تراكمتْ عليهم، من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت