فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1908

الانغماس في الحياة الدنيا والغفلة عن حقيقة الوجود، ومن طاعة الكبراء والرؤساء والاستكانة إليهم، ومن الخوف من تغيّر الأوضاع، وحب السلامة والاكتفاء بالحال الموجود...! وكلها أسباب واهية، خسروا بها وضيّعوا فرصتهم، ولو بُعثَ منهم أحدٌ اليوم وسألناه فإننا نتوقع يقينًا أنه سيخبرنا عن حالةٍ لا مثيل لها من الندامة والحسرة..!

وأما سادتهم وكبراؤهم فقد غرّتهم السيادة والرئاسة التي خافوا أن يفقدوها إن هم اتبعوا الحق الذي يدعوهم إليه محمد، واندفعوا في عناد شديد، لكن هل أفادهم ذلك شيئا؟ وها نحن نذكرهم ونذكره ونذكر ما جرى بعد مرور القرون، من الذي بقي وانتصر ومن الذي ذهب خاسرا لا يُذكر إلا بالخزي واللعن؟! واستمر محمد -صلى الله عليه وسلم- في دعوته وتدرج وكان الوحي ينزل عليه شيئا فشيئا ويربّي الناس على الدين الحق المتضمّن لكل رحمة وعدل وإحسان وبرّ وحكمة وإصلاح، والذي تألفه النفوس الطيبة، والآمر بكل خير والناهي عن كل شر.. إلى أن يئس من إسلام قومه وتآمروا عليه يريدون قتله، فأمره الله - عز وجل - بالهجرة، فهاجر إلى بلدة «المدينة» التي بها قبره ومسجده الآن.

كانت تقطن هناك في «المدينة» بعض القبائل العربية التي آمن أفراد منها بمحمد ودعوته أثناء رؤيتهم له وسماعهم كلامه ودعوته في مواسم الحج إلى مكة، فتحمّسوا لنصرته وإعانته من جراء قوة إيمانهم بما دعاهم إليهم من رسالة الله - عز وجل -، وعرضوا عليه أن يهاجر إليهم في بلدهم لكي يكون عندهم وينصرونه ويؤونه، ويستطيع من هناك أن ينشر دعوته.

وبالفعل؛ هاجر محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمر كل من يستطيع من أصحابه أن يهاجر، فهاجروا رجالا ونساء وأطفالا في سبيل الدين، لم يكن هناك أي غرض دنيوي ولا شخصي، لا اقتصادي ولا سياسي ولا أي شيء غير الدين الذي آمنوا به وعرفوا أنه حقا رسالةُ الله الذي خلقهم وأوجدهم وأراد منهم أن يعبدوه واختبرهم بهذه الاختبارات في هذه الحياة الدنيا. لم يكن لتلك القبائل العربية البسيطة مطامح سياسية ولا توسّعية.. ولم يكونوا أهل تمدّن يُذكر بين مدنيات العالم في ذلك العصر.

ولهذا كانت القناعة بالحقيقة والإيمان بالحق المطلق له تأثير كبير على نفوسهم، فانفعلوا به انفعالا يقول كثير من المؤرخين إنه لا يوجد له مثيل في التاريخ تقريبا إلا في بعض أتباع الرسل السابقين..! في تلك البلدة التي هاجر إليها وبين أولئك القوم من أهلها ومن المهاجرين أقام محمد -صلى الله عليه وسلم- نواة دولته، وبدأ ينشر دعوته بحرية أكثر، وبدأ ينظم شؤون أتباعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وشرع لهم بإذن الله له ووحيه إليه تشريعات أخذت تنحو إلى التكامل بالتدريج حتى تستوعبها حركة الانتقال الحضاري والفكري لدى الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت