الجواب وبالله التوفيق:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المصطفى، وآله وصحبه ومن لنهجهم قفا ..
أما بعد:
فاعلموا إخواني أن الهداية والتوفيق إلى الإيمان والسداد والتقوى والعمل الصالح مِلكٌ محض لله - عز وجل -؛ يهبه سبحانه لمن يشاء بمنّه وكرمه وفضله، ويحرمه مَن يشاء، كما قال جل وعلا لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أكرم الخلق عليه وأحبهم عنده: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص] ، وقال: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [الروم: 29] وقال: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) } [النحل: 37] {يُهْدَى} بالبناء للمفعول في قراءة نافعٍ وغيره، وقال: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) } [الزمر: 23] ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر: 36 - 37] {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) } [يونس: 99 - 100] {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) } [السجدة: 13] .. وهذا كثيرٌ في القرآن.
فهذا من أول ما ينبغي اعتقاده والاعتراف به لله - عز وجل - واطمئنانُ القلبِ به، فإذا حصل من العبدِ ذلك اقتضى منه أن يتوجه إلى مولاه ويلجأ إليه طالبًا الهداية ملحًّا في طلبها بحرص شديدٍ وطرق دائمٍ للبابِ، خائفًا وجِلًا متواضعًا مستشعرًا عجزه وفقره وضعفه وجهله وظلمه وحيف نفسه، مستحضرًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُهُ، فاستهدوني أهدِكم) (1) ، ولسان حاله قبل مقاله: اللهم إن لم تهدني فمن يهديني، اللهم إن لم تتداركني برحمتك وتشملني بفضلك وترزقني الهداية ضللتُ وهلكتُ.
ثم ليعلم العبدُ المؤمن الذي هداه الله إلى أوائل مقامات الهداية، أن الهداية درجاتٌ ومقامات تسمو، كما قال الله - عز وجل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [محمد] {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] ، ولهذا أوجب الله - عز وجل - علينا أن نسأله الهداية كل يومٍ عددًا من المراتِ، وذلك هو
(1) صحيح مسلم (6737) .