فهرس الكتاب

الصفحة 857 من 1908

الدعاءُ الواجبُ على كل مسلمٍ وذلك حين أوجب الله علينا قراءة الفاتحة في صلواتنا وفيها هذه الآية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة] وهي لبُّ فاتحة الكتاب، إذ ما قبلها مقدمة وتوطئة لها بحمد الله والثناء عليه وتمجيده ثم التوسل إليه، وما بعدها تكميل للدعاء بإظهار معنى الصراط المستقيم وإدماج التحدث بنعمة الله تعالى على عباده المصطفين الأخيار الذين هداهم الله ومنّ عليهم وأنجحهم.

وإن لتحصيل الهداية وتكميلها أسبابًا؛ فمن أهمّ أسبابها -بعد توفيق الله وما ذكرتُهُ من اللجوء إليه ودعائه سبحانه- هو أن يطلب العبدُ العلمَ النافع ويتفقه في الدين، على طريق صحيحٍ وقصدٍ مليح، ويحرص على الخيرِ ويطلب الفضل (يطلب أن يكون أفضلَ دائمًا) ، وأن يحسن الظن بالله الجليل ويعتقد أن الله تعالى سهّل الأمرَ ويسّره لنا كما قال - عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } [القمر] ودل اعتبارُ مجموع فروع دينه وشريعته سبحانه على أنها يسرٌ وسهلةٌ لا تعقيد فيها ولا تعنيتَ، ولا تشديد ولا تنطُّع، كما قال - عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220] أي لأوقعكم في العنتِ، وهو المشقة والضيق، أي ولكنه لم يفعل - عز وجل - رحمة بكم، بل يسّر عليكم وسهّلَ ووسّع. وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (هلَكَ المتنطِّعون) قالها ثلاثًا رواه مسلم وغيره (1) ، وهم المتعمقون المبالغون المجاوزون للحدود في الأقوال والأفعال المتكلِّفون البحثَ عن دقائق المسائل على طريقة أهل الكلام، فليوقن العبدُ أن الدين والعقيدة بحمد الله سهلة ميسورة، لا كما أرادها وصوّرها أصحابُ علم الكلامِ والفلسفات الفاسدة الحائدين عن سنن الشرع قديمًا وحديثًا.!

فما يجب علينا معرفته واعتقاده في حق الله تبارك وتعالى وتقدست أسماؤه، وفي حق ملائكته، وفي حق رسله، وفي حق كتبه ودينه وشرائعه، وفي حق سائر المغيبات الماضية والحاضرة والآجلة الأخروية)، وفي حق سائر الخلق وأطوارهم، من مطيعين وعاصين، وفيما يتعلق بقضائه وقدَرِه سبحانه؛ فكله قد بيّنه الكتاب والسنة على الإجمال وعلى التفصيل.

فمن حصَّل الإجمالَ وحَصَل منه التسليمُ فهو بحمد الله ناجٍ مفلحٌ.

ومَنْ منَّ الله عليه بالتفاصيل فهو أزكى، ومعرفة المكلفين بالتفاصيل بحسب ما يفتح الله عليهم من العلم والمعرفة والانقياد والتوفيق.

ثم ما هو حد تفاصيل الاعتقادات -فروع ومسائل العقيدة- التي يجب على العبدِ طلبُ معرفتها والسعي إلى أن يعلمها، هذا مجالٌ يدقّ فيه المسلك ويصعب ضبطه بعبارة يسيرة محكمة، فالله أعلم.

(1) صحيح مسلم (2670) ، مسند أحمد (3655) ، سنن أبي داود (4680) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت