فهذا حال الثورات في تونس ومصر: لم تحقق ما تريده هي إن صحت لها إرادة فضلا عن أن تحقق ما تصبوا إليه القاعدة، بل غاية ما هنالك أن تكون ساعدت في تحقيقه إن شاء الله، وساهمتْ في وضع لبنة في الطريق وسهّلتْ، كما أن القاعدة ساهمتْ وساعدت على التأسيس لهذه الثورات وتهيئة الأرضية لها بالعمل على تكسير حاجز الخوف لدى جماهير وأجيال الأمة، ومن خلال بث روح التحدي والمحافظة على قوة الرفض والإباء للظلم والظالمين لا تموت، ومن خلال معانٍ ووسائل كثيرة لو أردنا الحديث عنها، ثم من خلال عامِلٍ مهم جدًّا وهو: تحييد أمريكا وإخراجها من دائرة التأثير المباشر والتسلط الامبراطوريّ، فلولا ما من الله به على الأمة من هذه الفئة المجاهدة -المجاهدين- ولولا بلاؤهم الحسن -جزاهم الله خيرًا ونصرهم وأعزّهم- في النكاية في أمريكا وحلفائها في العراق وأفغانستان وسائر أنحاء العالم إلى أن جعلوها تستكين وتركع وتذل وتتطامنُ وتهابُ وتخشى أن تدخل في مشاكل أخرى وحروبٍ وصراعات ونفقاتٍ إضافية لما وقفت أمريكا موقف المتفرج من أول يوم ولتدخلت بالقوة العسكرية في تونس أو مصر.
لقد جعل المجاهدون -بفضل الله- أمريكا ولأول مرةٍ بعد أن عرفتِ الغطرسة والتفرعن والنزعة الامبراطورية تقول بلسان حالها: «العين بصيرة واليد قصيرة» ، كما كانت أمتنا تقولها أزمانًا؛ فلله الحمد، وهذا فضلٌ وإنجازٌ للمجاهدين عظيمٌ لمن أنصف واعترف بالحق.
أرجع وأقول: نحن إذ نؤيد هذه الثورات لما فيها من الخير الذي أشرتُ إلى جُملٍ منه، ولما هي مرحلة نرجو أن يعقبَها خيرٌ أكثر، ولهذا السبب فإن القاعدة هي من أسعدِ الناس بهذه الثورات وأفيدِهَا منها بحمد الله ومنِّه وكرمه، فليمت الشامتون بغيظهم! ولهذا أيّدتها من لحظاتها الأولى وسارت بها وشاركت الأمة في السرور بها على ما فيها من دَخَنٍ ودخَلٍ! لسنا غافلين عنه ولكن متغابين، لأن القاعدة تسعى لخير الأمة ورحمتها وإزالة الضر والضير عنها ما استطاعت؛ لهذا قامت القاعدة، فأي خير يتحقق فالقاعدة معه وتفرح به ولا تعارضه، إن القاعدة لا تشترط أن يجري الخيرُ على يديها حتى يكون خيرًا وحتى يُقبَل، وهذا دليلُ عمَلِها لله تعالى -فيما نحسبُ- ومعاذ الله أن نكون مثلَ اليهود الذين اشترطوا للإيمان بالرسول أن يكون منهم وإلا لم يؤمنوا به، ولا يُقرّون بالحق إلا أن يكون منهم ومن طائفتهم، مع معرفتهم أنه حق، وقال الله فيهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (91) } [البقرة] ، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون، بل مقصود القاعدة أن يتحقق الخيرُ والصلاح ويسود الحقُّ والعدل والرحمة والإحسان، وذلك لا يكون بشكله الكامل إلا في ظل تحكيم شريعة الله تعالى، وفي