يُجعَلَ المنهج السلميّ بديلا بإطلاق عن منهج الجهاد الذي هو إعدادُ العُدة والقتالُ في سبيل الله بالسلاح والضرب والقتل والتفجير، أما حيث يكون التحرك السلميّ متاحًا ومحققا للمطلوب أو بعضه مرحليا، ولم يخرج في كيفيته عن حدود الشرع، فلم يمنع المجاهدون ذلك، بل هم يؤيدون ويدعون إليه، وكم دعا قادة القاعدة الشعوب إلى التحرك الشعبي والتظاهر والاعتصام في مناسباته.
وأما الكلام على المقدمة الخاطئة الثانية: فإن القاعدة لا تسعى لأي تغيير مهما كان، اللهم إلا أن يكون جزئيًّا مرحليًّا تكتيكيًا، وهي تعلم أنه جزئيٌّ مرحليٌ؛ حيث لا يتسنى التغيير الكامل المنشود.
إنما تسعى القاعدة إلى تغيير جذريّ وثوريّ حقيقيّ تكون نتيجتُهُ وضعًا: تكون فيه كلمة الله هي العليا وشريعة الله هي الحاكمة الوحيدة المهيمنة، وتتحقق فيه حريةُ الأمة وعزُّها وكرامتها تحت حكم الرب الجليل وحده - عز وجل -، وهو معنى أن يكون الدين كله لله، والحكم لله، وهو معنى الدولة الإسلامية التي تنشدها القاعدة وجميع المجاهدين.
أما الأوضاع التي آلت إليها هذه الثورات في تونس ومصر وحتى ليبيا فليست هي غاية القاعدة، إذ ليست غاية القاعدة تحقيق نظام «ديمقراطي» ولا غاية القاعدة مجرد استبدال نظام كفري بآخر مثله لا يلتزم بدين الله ولا يحكم بشريعته -معاذ الله-، وإذا أيدت القاعدة ثورات الشعوب هذه فإنها تؤيدها مقيدةً بشكل واضح معبَّرٍ عنه بأبين تعبير، لا لبس فيه ولا غموض، إنها خيرٌ مقيَّد محدودٌ من جهة كونها: كسرا من شعوبنا المسكينة المقهورة لحاجز الخوف من تلك الأنظمة اللعينة الطاغية التي سيطرت على الناس بالخيال والتخويف والإرهاب والقهر، وأنها مرقاة إلى تغييرات أخرى، وإتاحةٌ للفرصة للدعوة إلى الله وإلى انطلاق الأمة في اختياراتها التي نرجو ونسعى لأن تكون صحيحة مسددة، ولما فيها من التخفيف على الناس بزوال الأنظمة البوليسية القمعية المتجبّرة الظالمة، وما فيها من رفع للظلم عنهم، وإطلاق سراح المسجونين، وزال الخوف والرعب من قلوب الناس من أنظمة الحكم، وتحقق قدر كبير من الحرية، وغير ذلك من الخيرِ ولكنه نسبيّ، فبإزائه شرٌّ أيضًا.
الثورات في مصر وفي تونس وليبيا لم تحقق حتى ما يريده الثوار وشباب الثورة؛ فهي وإن أسقطت النظام، وبتعبير أدق: رأس النظام، وهو الطاغية الذي أُرعِبَ وخاف وانهار تحت ضغط كل الشعب وتبعًا لضغط الشعب ضغوط كل القوى الداخلية والخارجية.
إلا أن فلول تلك الأنظمة البائدة ما زالت لها اليدُ الطولى في حكم البلد وإدارة شؤونه، وما زالت تمارس الثورة المضادة وتعوق تحقيق أهداف الثوار، وما زال الثوار يعانون ويكافحون ويجددون التظاهر حتى كاد يملّهم الناس، وذلك مقصِدٌ للفلول المهزومة من النظام البائد.!