وإن تتبع ذلك وحصر أفراده -الأخطاء- ليس مهمًا في نظري، ولا يوصل إلى نتيجة مفيدة ولا إلى إصلاح، كما إن محاولة البحث عن الطرف البادئ بالخطأ هي أيضًا ليست ذات فائدة كبيرة، مع صعوبتها، ومع ما تسببه من إيغار الصدور ونبش المدفون، وليس شيء كالستر والعفو.
ومحاولة إلقاء اللوم على طرف دون آخر هو في كثير من الأحيان مزلةٌ، والكلام فيه لا يخلو غالبًا من نوع من التعصب أو الميل إلى طرفٍ، بحسب كل إنسان وما يعيشه من المؤثرات.
وإنني أقول لإخواني كلمة، باعتبار أني عرفت طوائف عديدة من المجاهدين والتيار الجهادي: إنني بإذن الله لا يذكر لي أحد خطأ للمجاهدين إلا ذكرتُ له خطأ مقابلًا له للطرف الآخر، مثله أو مقاربٌ له أو أكبر منه.!
وهكذا إذا قال قائل من يمثّل الطرف الفلاني فيقال له: ومن يمثّل الطرف الآخر؟!
وإذا كان لا بد من ذكر أمثلة من الأخطاء من الطرفين؛ فإن ذلك لضرورة تفهيم المسألة وأن المسؤولية موزّعة بينهما، وإذن فنحن إذا ذكرنا شيئا من تلك الأخطاء فإنما نذكر منها ما نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، ولن نبحث في: من البادئ؟
وسننطلق إلى المطلوب الأعظم والمقصود الأهم وهو: إصلاح ذات بين المسلمين، وإيجاد التلاحم والترابط والتعاطف والتراحم والتوادد والتحابب والتعاون والتضامن والتكافل، والشعور بالجسد الواحد، والبنيان المرصوص بين أهم طائفتين مأمولتين لتحقيق عز الأمة واستعادة مجدها وكرامتها وصيانة شرفها ورفعتها وهما: أهل العلم وأهل الجهاد.
وأما اعتبار «هذه الفجوة إحدى مفرزات الجهاد الأفغاني ضد الروس» فهو خطأ! وهي مقولة فيها غموض، وأخشى أنها تشير إلى نوع فساد في التصوّر.!
فإن جملة «إحدى مفرزات» يفهم منها أن للجهاد الأفغاني مفرزات أخرى، ولعل بعضها أسوأ من هذه -عند ذلك القائل-، وكلمة مفرزات هي في عرفنا مستعملة على الأكثر في السيّء والذي لا يحبّذ؛ فأخشى أن قائل ذلك هو أصلا ممن يرون الجهاد الأفغاني كان مفسدة على الأمة برمّته.!!
نسأل الله السلامة، ونعوذ به من الضلالة.
بل الجهاد الأفغاني شامة في جبين الأمة، وصفحة مضيئة في تاريخنا المظلم في العصور المتأخرة، ونقطة تحوّل في طريق نهضة أمتنا، أحيا به الله تعالى مواتًا شاسعًا من جسد أمتنا، وفتح به طرقًا للخير والعزة والكرامة والتجربة، وهو كان مدرسة عُليا للجيل بل لأجيال قادمة، وأظهر للأمة مكنونات قوتها، وأنار دربَها بالأمل بعد اليأس، فالأمة اليوم بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا الجهاد المبارك أقوى