«مَن البادئ» ، كان هذا في مقام تأكيد أن المقصود الأعظم والهدف الأسمى هو إصلاح ذات البين؛ فلا يكون تَعداد العيوب والحرص على تعيين البادئ بالظلم عائقا عن الوصول إلى ذلك الهدف.
ولا بد عند التواصل بين الناس من وضع جملة من الأخطاء المهمة الرئيسية على بساط النظر، وتصحيحها وبيان الحق فيها والواجب والاتفاق عليه، وهذا يسير على من يسّره الله عليه، والمطلوب التوكل على الله والصدق وحسن النية فقط، وما توفيقنا إلا بالله وما النصر إلا من عند الله، ولينصرنّ الله من ينصره.
وعليه فأنا أدعو إلى أن نضع نصب أعيننا هذه الأمور:
* أن الأخطاء كثيرة ومتراكبة ومتراكمة ومنذ أزمان، منذ الجهاد الأفغاني وقبله.
* أن الأخطاء متقاربة من الطرفين.
* وأن الواجب أن نصلح ذات البين، ونقرّب بين الطرفين، ونزيل الوحشة، هذا هو الهدف.
* وأن يدعو كلٌ منا من يستطيع الاتصال به من هؤلاء وهؤلاء إلى ذلك بشتى الطرق الممكنة ويسعى في تفهيم المواقف وتغليب العذر وحسن الظن، وليستعمل حتى الكذب لأجل ذلك، بلهَ الستر والتعافي.
ومع كل ذلك .. فإننا واقعيون، ولا يظنن بنا ظان أننا سنخرج من هذا اللقاء وقد قضينا على كل المشاكل! وإنما هي دعوة لمن يبلغه، لعل الله يبارك فيها، ويسخّر لها من يكملها ويقوم بها حق القيام، من المخلصين الناصحين من الطرفين ومن سائر المسلمين.
وهناك ملاحظة أخرى دقيقة أرجو أن أوفق لحسن التعبير عنها، وبالله أستعين:
وهي أن الكلام في الأخطاء العلمية النظرية، وهو ما يقع في العادة من أهل العلم حين يقع، يختلف في شيء دقيق عن الكلام في الأخطاء العملية التي تقع في العادة والأكثر من المجاهدين حين تقع.
وهذا الفرق هو: أننا عندما نتكلم في نقد رأي أو تصرف للمجاهدين في الميدان نكون أكثر حذرًا، لماذا؟ لأننا نخشى الفتّ في العضد، ونخشى توهين العزائم، ووقوع التثبيط والتخذيل من دون أن نشعر، ونخشى أن نضعف موقف المجاهدين الذين هم في أمسّ الحاجة الآن وهم في ساحة الحرب يقفون أمام جيوش الأعداء الجرارة ويجودون بأرواحهم؛ في أمس الحاجة إلى كل دعمٍ منا وكل كلمة طيبة ودعاء ونصرٍ وذبّ عنهم وسكوت حتى عن أخطائهم الواضحة فضلا عن المحتملة .. !
فمراعاة هذا، والشعور بهذه المسؤولية شيء في غاية الأهمية.
وهذا -في الغالب- هو بخلاف ما إذا انتقدنا رأي العالم وناقشناه، فإنه ليس فيه هذه المحاذير في