والجرائم الاجتماعية الثلاث لها عقوبات وحدود مُقَرَّرة، جاء بها القرآن الكريم، حتى لا تكون موضِع رأي واجتهاد في مختَلف العصور. وحَدُّ السرقة جاءت به الآية: (والسّارِقُ والسّارِقةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة: 38) . وليس في الإسلام ما يُبيح استبدال"الحدّ"في عقوبة السارق ـ أو في عقوبة أيٍّ من الزنا والقتل ـ بعقوبة مالية. نَعَم: الحد يسقط في شُبْهة الجريمة إلى الزانى، والقاتل، والسارق. ولكنَّها لا تُستَبدل بعِوَض ماليٍّ.
والمجلس العُرْفي ـ الذي جاء في سؤال السائل ـ وحكَم بعشرة جنيهات على السارق.. سلك لنفسه طريقًا في الجزاء غير تلك التي رسمَها القرآن الكريم؛ لأنّه قرَّر ـ فيما يبدوـ عِوَضًا ماليًّا عن المسروق. أي أنه بحكمة استرجع المسروق في صورة نقد، بدل محصول زراعي. وبذلك ترك جريمة السرقة بدون عقاب وجزاء.
فإذا كان هذا هو الوضع فيكون مَن وقعَتْ عليه السرقة بقَبوله العشرة جنيهات قد استرجع المال المسروق منه، إن كان يُساويها. وعندئذٍ: لا غضاضة عليه في قَبول ما حكم به المجلس العرفي؛ لأن المسروق كالمُغْتَصَب يُرَدُّ لصاحبه.
وإن كانت الجنيهات العشرة التي حكم بها المجلس العرفي تتضمن بجانب التعويض عن المسروق: عقوبة للسارق على سرقته.. فيجب رَدُّ ما جعل عقوبة للسارق من هذا المبلغ، وقبول الباقي بعد ذلك؛ لأن عقوبة الجريمة في السرقة هي قطع يد السارق. وهى لا تقبل الاستبدال؛ لأنه أُريدُ بها النَّكالُ والتشهير: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ) . وعدم إقامة الحد عليه الآن لا تعود مسؤولية التخلُّف: لا على المجلس العرفي، ولا على المسروق منه، وإنّما على الوِلاية العامة في الأمة؛ لأنّها هي التي تباشر حقَّ المجتمع.