49 ـ أنا متزوِّج، ولي ولد في التعليم ويوشِك أن يتخرّج، وحدث بيني وبين زوجتي شِجار بسبب تعليم هذا الابن، فأقسمْتُ يمينًا أنه لن ينفعني، سواء تعلَّم وأتى بمال، أم لم يتعلَّم ولم يأتِ بمال، فما الرأي؟
إن السائل ـ وهو هنا والد لابن قارَب على التخرُّج من الجامعة ـ من جملة كثيرين يستهدفون من تعليم أبنائهم منفعةً مادِّيّة تَعُود عليهم هم، وبالأخص عند الحاجة أو في سِنٍّ متأخِّرة من عمرهم، ولذا حرصهم على تعليم أبنائهم هو حِرص على تحصيل منفعة شخصيّة .. ودفعهم لهؤلاء الأبناء في طريق إتمام دراستهم هو دفع للتعجيل بهذه المنفعة.. وغضبهم من أبنائهم هو بسبب أنهم بتخلُّفهم في النجاح يُرجِئون هذه المنفعة فترة أخرى من الزمن.
ويَرَوْنَ في التعليم من أجل ذلك نوعًا معيّنًا. هو تحصيل المعرفة التي تهيِّئ للنجاح في الامتحانات العامة. أما التربية وتكوين العادات الفاضلة.. أما الثقافة العامة.. أما الدُّرْبة على الصبر والتحمُّل عند الصعوبات.. أما المسؤوليّة الفرديّة والشعور بها.. أما تكوين الضمير الإنساني والإفادة من رقابته الذاتية على التصرفات.. أما الشخصية واستقلالها: فقلَّما يُعنى بها هؤلاء النفعيُّون عن طريق تعليم أبنائهم.
ومن هنا كثيرًا ما يُفْجَعون في هؤلاء الأبناء، فيظهر فيهم العقوق واضحًا بعد تخرُّجهم والتحاقهم ببعض الوظائف العادية، وكثيرًا ـ أيضًا ـ ما يَنزَعِجون من فشَلِهم في الحياة وتهرُّبهم من المسؤوليات بعد أن يتخرَّجوا ويُباشِروا وظائفهم أيضًا.
وقلّة من الآباء هي التي تَحرِص على تربة أولادهم، والتعليم المدرسيّ أو الجامعيّ جزء من هذه التربية. ولذا لا يَستَهدِفون منفعة شخصية من وراء إتمامهم الدراسة الجامعية وشَغلهم بعض الوظائف. ومن هنا يَسْلُكون معهم مسلك الأصدقاء: في نقل تَجاربهم إليهم.. وفي التفاهم معهم على ما ينبغي، وما لا ينبغي من التصرُّفات في كل مرحلة من مراحل تطوُّر الإنسان.