62 ـ أنا متزوِّج ولي أولاد. وكانت أمي قبل وفاتها قد بلغت الكبرَ، ولم أقُم بواجبي نحوها، ولم أُحسن معاملتها. وقد كان ذلك بسبب حالتي المادّية. وأنا الآن وقد مَنّ الله عليَّ بالخير. فهل أستطيع أن أعمل لها شيئًا بعد وفاتها؟
إن السائل يذكر في سؤاله أنه كان له مبرِّر في التقصير في حقِّ والدته، وهي على قَيْد الحياة. وهو قصور يده، وعدم تمكُّنه ماديًّا من رعايتها، كما ينبغي. واعتذاره الآن بعد وفاتها عن التقصير يُنْبِئ بأنه كان يعتَرِف بفضلها عليه، وكان يتمنّى أن لو كانت له من الإمكانيات ما يحقِّق الواجب عليه نحوها من الرعاية والإكرام. وأعتقد أن اعترافه هذا كافٍ في النَّدَم منه. والأمر متروك لله سبحانه في أن يغفر له تقصيره، إن كان هناك تقصير منه.
أمّا ما ينبغي أن يفعله الآن لها بعد موتها: فإن كان يُريد أن يضيف إلى أعمالها التي باشرتها في حياتها عملًا خَيِّرًا لها، أو يتحمّل عن أخطائها التي ارتكبتها بما يُنفقه على أصحاب الحاجة بعدها، فإنَّ كل إنسان يُكتب له عند الله عمله فقط: (وكُلَّ إنْسانٍ أَلْزَمْناهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ"أي ألزمناه بعمله، فهو مطوَّق به لا ينفكُّ عنه"ونُخرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقَاهُ مَنْشورًا. اقْرَأْ كِتَابك كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسيبًا. مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولاَ تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى"أي ولا تحمل نفس أخطأت خطأ نفس أخرى"وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولًا) (الإسراء: 13 ـ 15) . أي أن كل إنسان مُلْزَم عند الحساب والجزاء، بما كان له هو فقط من عمل: خيرًا.. أو شَرًّا. والمسؤولية الفردية في نظر الإسلام ركن أساسي عند تقييم الإنسان.