73 ـ ماتتْ أمِّي وتزوج أبي بأخرى، وربَّاني حتَّى تخرَّجت من مدرسة فَنِّيّة متوسطة وراتبي اثنا عشر جنيهًا، أعطيه لوالدي كله، وآخُذ مصاريفي كأي ولد صغير. وبعد خمسة أعوام أفهمته بكلّ لطف أنِّي أُريد أن أتزوّج وأن أُكَوِّن نفسي. فاشتدَّ غضبُه وقال: مَن يربِّي إخوتك؟ وأنا أريد إرضاء أبي مع عدم ضياعي.. فما الحكم؟
هنا قام الأب بواجبه في إعداد ابنه للحياة، حسبما وسِعتْ إمكانياته المادِّيّة هذا الإعداد فتخرَّج الابن من مدرسة فَنِّيّة متوسّطة.
وهنا كذلك كان الابن بارًّا بوالده في الدرجة الأولى وعطوفًا على إخوته في الدرجة الثانية، فكان يعطِّي الأب مرتَّبه كلَّ شهر ولا يأخذ منه، إلا ما هو ضروريٌّ له، كأحد إخوته سواء بسواء، كما يذكر في سؤاله، وفوق ذلك يَدين له بالطاعة ويحافِظ على إحساسه وشعوره كأب له.
والمشكلة هي أن هذا الابن البارَّ يريد الجمع بين أمرين:
1ـ استمرار الإسهام في تربية إخوته وفي إرضاء والده.
2ـ الزواج، أو الادّخار من أجل الزواج مستقبلًا.
والأمران في واقع الأمر غير مُتَكافِئِين، من حيث الضرورة وبالقياس إلى الحاجة الاجتماعية.
فتربية الإخوة إسهامٌ في بناء قوتِهم وفي إعدادهم إعداد طيِّبًا لحياة صالحة. وتركهم من غير مُشارَكة أخيهم الأكبر في الإنفاق عليهم من مُرَتَّبِه بما يؤدِّي إلى إضعافهم أو إلى تخلُّفهم وحِرْمانهم من إمكانيات قد لا تتوفَّر لهم بعد ضيَاع هذه الفرصة منهم. والمؤمن القويّ خير من المؤمن الضعيف. والإسلام لا يُفاخِر بالكثرة العدَديّة إلا إذا صاحبتها قوّة نوعيّة... أيّ قوّة في الإعداد الإنساني وفي مُواجَهة تَحَدِّي مشاكل الحياة، والأخصّ منها مشاكل الأعداء ولا تتم القوة النوعية إلا بحُسْن التوجيه وسلامة الرعاية.