34 ـ ما هو الخوف في قول الله تعالى:
(ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمراتِ وبَشِّرِ الصّابِرينَ. الذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ) (البقرة: 155 ـ 156) .
الخطاب في هذه الآية مُوَجَّه إلى المؤمنين في قول الله قبلها: (يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ. ولاَ تَقُولوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ولَكِنْ لاَ تَشْعرونَ) (البقرة: 153 ـ 154) .
فطلب إليهم في هذا النداء أمرين:
أولًا: الاستعانة بالصبر والصلاة عند الأزمات والشدائد.
وثانيًا: تقدير الذين يجاهدون في سبيل الله بأن لا يتحدَّثوا عنهم بأنّهم أموات بل يجب اعتبارهم أحياء، وإن لم يروهم رؤية العين؛ لأنهم أحياء بأرواحهم وبذكراهم وبآثارهم الخالدة.
وكان هذا الطلب تمهيدًا لما جاء بعد ذلك من الابتلاء للمؤمنين. وهو ابتلاء فيما يتصل بالنفوس وحياتها، والبطون وحاجتها إلى الغذاء وقُوة الأمة وما يتصل بهذه القوة من أموال وأنفس ومحاصيل.
فقد تتعرّض النفوس إلى الموت، وحتمًا ستتعرض مادامتْ تجاهد في سبيل الله. وقد تتعرَّض البطون إلى الجوع، وحتمًا ستتعرض مادام يتمسّك أصحابها بمبدأ الإيمان بالله.
وقد تتعرّض قوة الأمّة المادِّيّة إلى الضعف والنقص مادام هي أمة تحرِص على القِيَم والمُثُل العليا.
ومن هنا كان تأكيد الابتلاء بهذه الصيغة: (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ..) فهي إخبار من الله على سبيل التأكيد الذي لا يتطرَّق إليه شَكٌّ.