85 ـ يشتغل أبي بالأعمال الحُرّة ويقتِّر علينا بالمصروف مع أنه موسِر، وأمِّي تحرِّضني على اختلاس النقود منه. فما الحكم؟
من الناس مَن يستهدف المالَ لذاته ويحرِص على جمعه اعتقادًا منه أنه سنَده في الحياة. ويرتَّب على ذلك الشحُّ في إنفاقه، حتى على نفسه وأسرته. وسعادته بالمال عندئذٍ إذ هي في تكاثره ونمائه، ولو بطريق غير إنساني أو غير مشروع.
وهذا الموقف من المال يدلُّ على أنانيّة صاحبه، ويدلُّ كذلك على عدم ثقته بنفسه كإنسان له طاقات تُمَكِّنه من العمل والسعي في الحياة. ومِثْل هذا الإنسان وبالأحرى هو إنسان متواكِل على المال. وماله مع الأسف لا يُسنده عند الشدائد والأزَمات كما يعتقد؛ لأن زيادة الحرص عليه منه تجعله مُتَرَدِّدًا في إنقاذ نفسه من تلك الأزمات والشدائد بدل المال، وبذلك تفوت فرصة الإنقاذ أو تكاد.
ثم موقفه هذا من المال ـ وهو موقف التقتير والشُّحِّ ـ سيُفسد عليه أسرته بعد ذلك، إمّا بتفكُّكها أو بزيادة أمر الحِقْد والضغينة في نفوس أفرادها، وبالأخصِّ الأولاد من بينهم ـ على ربِّ الأسرة مُكتنِز المال. ولا يُستبعد أن تمارِس الجريمة، وربما جريمة قتل الأب نفسه في بداية الطريق إليها.
وهنا يكون المال سبيلًا إلى فساد الأسرة وتفكُّكها على الأقل، وسبيلًا كذلك إلى ضعف صاحبه أو إلى قتله، بدلًا من أن يكون سبيل القوة والنجاح في الحياة إذا أحسن استخدامه ونظر إليه على أنّه وسيلة وليس هدفًا.
وحسن استخدام المال ترشِد إليه مثل هذه الآيات:
1 ـ (ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ"بُخل نفسه"فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحونَ) (الحشر: 9) .
2 ـ (ولاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلولةً إِلَى عُنُقِكَ ولاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء: 29) .
فهاتان الآيتان نَهَيَتَا عن الشُّحِّ والبخل والتقتير. كما أرشدت الآية الثانية منهما إلى طريق الوسط والاعتدال في الإنفاق.