48 ـ نحن ستُّ بنات وولدان. ووالدنا لا يَعنيه من أمرنا إلا أن نعمل.. ونوفِّر له الراحة، والنقود، والشاي، والدخان. ولم يُتمَّ تعليمَه الثانوي من هذا العدد غيري، وعُيِّنت مدرِّسة بالمدارس الابتدائية. ولنا أختان صغيرتان يعملان في الحقل طَوال اليوم، وفي البيت ساعات من الليل. والمِلْك قليل لا يتجاوز الفدّان. ولو كان الوالد مع صِحّته وقوة بدَنه يعمل لتيسّر الأمر. ولكنه يعتمد كليّة على البنتين في العمل، وعلى مرتّبي القليل في الإنفاق على الجيش الصغير. وإذا حضر بعض الخُطّاب لنا وهم أكْفاءٌ يرُدُّهم بشدة، حتّى عَلِمَ الناس منه هذا. ولو كُنّا ذكورًا لهانَ الأمر، وسَعَيْنا في الأرض. ولكنا نحن بنات والمجتمع الرِّيفي لا يسمح للبنت بأن تترك أهلَها ولا بالفرار ممّا تتلقاه.
ما تنسُبه البنت السائلة إلى أبيها يتلخّص في ثلاث أمور:
الأمر الأول: أنّه يقدِر على العمل ولا يباشِره، ويعتمد على أولاده الصِّغار في الإنفاق.
الأمر الثاني: أنه يستغل ضعف النساء فيُسخِّر بناته في العمل في الحقل.. وفي المنزل، من أجل المعاش والرزق.
الأمر الثالث: أنه يعضُل بناته ويحول دون زواجهن؛ استمرارًا في تسخيرهن لصالح نفسه.
وهذه الأمور الثلاثة، وهى من سمات العهد الجاهلي المادِّيّ، يَنفِر منها الإسلام.. وتنفِر منها المُروءة وكرامة الأب لبناتٍ: بعضهن أو الكثيرات منهنَّ صغيرات.
وفي تقدير هذا الأب أن نسلَ الأولاد يجب أن يكون السبيل إلى العيش وتحصيل الرزق. ولذلك له من البنات سِتٌّ. ولو كان يستطيع أن يزيد لزاد العدد في غير محدوديّة. وهو ينظر إلى بناته على أنهنَّ: كمِلْك يمين له، لم يَستَكْمِلْنَ بعدُ حُرِّيتَهنّ.. ويجب أن تكنَّ في خدمته كسيّد، وليس كأب.