130ـ الغِلُّ والحقد ما أثرُهما ؟ وكَيْف عالجَهما الإسلام؟
إن الغِلَّ والحقد والحسد وما شابَهها من الصفات السوداء للنفس البشرية هي مصادر الشَّرِّ في المجتمع الإنساني. وهى في الوقت ذاته عوامل هدم وقضاء على الفرد والمجتمع معًا. فالفرد الحَقُود لا يعرف البناء بل طابَعه السلبيَّة ومحاولة تحطيم مَن هو أحسن منه وضعًا أو حالًا بعد أن يحطِّم نفسَه هو. والمجتمع الذي يَشيع فيه خُلق الحِقد لا يعرف الوحدة ولا يصل يومًا ما إلى التماسُك. وكل ما له من عمل هو تبادُل التمزُّق حتى الفناء كمجتمع أو كأمّة.
وقد رأى بعض المذاهب الفلسفيّة المادِّيّة علاجَ الحقد في المجتمع البشريّ بين أفراده بإبراز رُوح الصِّراع وتعميق معالمه وآثاره في النفوس وشحنها بالبغضاء والكراهية ضد بعضها بعضًا. وهو علاج أشبه بعلاج إطفاء النار بزيادة فاعليتها في الحريق وتوسيع رُقعتها في الهدم والإبادة.
ولكنَّ الإسلام استهدف من نظامه ومبادئه جملةً أولًا وبالذات إضعافَ رُوح الحقد، وكراهيةَ الغِلِّ في الإنسان والعمل على مَلْءِ القلوب بالمَحَبَّة ودفع النفوس إلى العمل المُجدِي في الحياة.
وفي سورة الانشراح يُبرِز القرآن الكريم هذا الهدفَ على أنّه المنحة الإلهية إذا تحقَّق في الإنسان فيقول فيها ـ والخطاب موجَّه إلى الرسول الكريم ـ صلّى الله عليه وسلم ـ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) فيمتنُّ عليه بشرح الصَّدْر. وقد شرح الله صدره بإزالة الحقد من نفسه وإحلال المحبّة فيها محلَّه، عن طريق الإيمان بالله واتباع الهداية الإلهيّة. وبذلك أصبح للرسول عليه الصلاة والسلام ـ قدوةً وأسوة حسنة للإنسان ومن أجل ذلك أيضًا كان خُلقه العمليّ مُمَثِّلًا لخلق القرآن الكريم في مبادئه وأهدافه.