29 ـ هل الأفضل أن يقضي الإنسان كلَّ وقته للعبادة، أو أن يستغلَّ الجزء الباقي في البحث عن العلم أو العمل الذي يُناسبه؟
العبادة في الإسلام تمثِّل تجربة رُوحيّة يخرج منها المؤمن ولديه الصلاحية كإنسان يعيش مع الآخرين في سلام وفى تعاون وتوادٍّ.
تستهدف العبادات من الصلاة، والزكاة، والحجّ، والجهاد في سبيل الله تصفية النفس الإنسانية والحيلولة بينها وبين اتباع الشرك والوثنية، وكذلك بينها وبين مباشرة الجرائم الاجتماعية من الفواحش والمنكَرات التي هي الزنا وهتك العِرض، وسرقة الأموال، وقَتْل النفس التي حرَّم الله قتلَها إلا بالحق.
تستهدف هذه العبادات كذلك ـ بجانب الحيلولة دون هذا كله ـ الحَدَّ من أنانية الذات في السلوك والتصرُّفات، وتقوية الإحساس الجماعيّ بالآخرين في المجتمع. حتى يخرج العابد عن طريق عبادته من دائرة الذات في نشاطه وأثر هذا النشاط في الانتفاع بما في هذه الدنيا من مُتع مادِّيّة، إلي دائرة المجتمع أو الأمّة أو الآخرين. فما يُصيبه من أرزاق فهو له وللآخرين، وما يقع من مآسٍ فعليه كما على الآخرين.
فالعبادات مجال تجريبي لتخريج الإنسان الصالح في الحياة الإنسانية. وهو ذلك الإنسان الذي يعيش لنفسه ولغيره معه. وهي مُستَهْدَفَة في الإسلام لهذا الغرض. وهذا يقضي بأن الإنسان الذي يقصر حياته على العبادة وحدها ولا يُباشِر عملًا آخر سواها بَقِيَ في نطاق التجربة ولم يخرج منها لحياة العمل والسعي في الدنيا. ومثل هذا الإنسان لا تُعرف صلاحيته في الإنسانية. أي لا يُعرَف عنه أنه هو ذلك الإنسان الذي يعيش لنفسه ولغيره معه. فهو كالطفل الذي بَقِيَ في طفولته، ولم يُختَبَر بعدُ في الحياة العامة، ليُحكَم على مدى رُشدِه في السلوك والتصرفات.