156 ـ سيدة تقول:"جمعتْ خادمتنا بعضَ المال من إكراميّات أقاربنا، ووضعته عندي. ثُمَّ في يوم من الأيام كلَّمْتُها ونصحتها بشِدّة، فخرجت ولم تعُد. فهل يجوز التصدُّق بهذا المال. أو هو أمانة لها في عُنُقي؟"
الجواب:
السيدة هنا تقف بين تأنيب الضَّمير والخَشْية من الله من جانب، والغضب من تصرُّفات الخادمة ـ الذي قد يصل إلى درجة الكراهية ـ من جانب آخر.
فخروج الخادمة من المنزل وعدم عودتها مرة ثانية، بعد"نُصحها بشدة".. يدلُّ على الأقلِّ على إحساس الخادمة بغضب السيدة عليها واستنكارها لما أتتْ به من تصرُّف.
وسؤال السيدة عن مصير المال الذي جمعتْه الخادِمة من إكراميّات الأقارب: هل هو أمانة يرد لصاحبتِه، أم يعتبر غير مملوك لأحد فيجوز التصدُّق به؟.. هذا السؤال يدلُّ على أن السيدة تقِف الآن بين أمرين: أمام ضميرها وأمام الله، ثم أيضًا تلك النفس الثائرة الغاضبة فيما مضى.
والمال الذي يسأل الآن عن مصيره هو"أمانة"من غير شكٍّ يجب ردّه إلى صاحبته وهى الخادمة؛ لأنّه يوم أن أخذته هبة من الغير دخل في ذِمّتِها، وخرج من ذمم الآخرين. فهو ملكٌ خالص لها.
ويوم أن وضعتْه عند"السيدة"استأمنتْها عليه. أي وضعته عندها بصفة"أمانة"، ولا تبرأ السيِّدة منه إلا بتسليمه إلى صاحبته وإعادته إلى ملكها. ولا يجوز التصدُّق به، طالما يمكن إعادته إلى صاحبته. ولا شَكَّ أن السيِّدة تعرف عنوان أهلها على الأقل، بواسطة أو غير واسطة.
هذا فيما أرى حكم الفقه الإسلامي. ولكنَّ الإسلام ـ أيضًا ـ فيما ينصح به المؤمنين من أخوةٍ صادقة فيما بينهم: لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، وغَنِيّهم وفقيرهم، وقويّهم وضعيفهم، وخادمهم ومخدومهم، يُوجِب ألا تبقَى فجوة بين اثنين منهم ينفُذ إليها الغضب أو الإيذاء النفسي أو البدنيّ لأحد منهما.