58 ـ أبٌ يقسو على ابنه لصالح إخوته مِن أمٍّ أخرى:
افترقت أمي عن أبي من غير طلاق وتركني أبي وإياها وعِشْتُ معها حتى صار عمري خمسة عشر عامًا. ثم ماتت وذهبت للبحث عن أبي فما أن وجدني حتى أخذ مني إقرارًا بأني لا أستحق من مِلكه شيئًا، ثم كتب كل ما يملِك لأولاده الآخرين من أمٍّ أخرى. فهل بعد موته أستحِقُّ شيئًا مِن ميراثه؟
إذا كان الأب قد كتَب كل ما يملِك لأولاده الآخرين من أمٍّ أخرى، فلم يترك شيئًا بعد وفاته تتقاسَمه ورثته فلا السائل ولا إخوته الآخرون من أم أخرى يَرِثون شيئًا عندئذٍ.
والمسألة الآن ليست مسألة المِلك والمال.. ليست مسألة التركة والميراث وإنّما مسألة أُبوَّة الأب لأولاده: كيف لا يسأل أبٌ عن ولده طول هذه المدة التي عاشها السائل مع والدته إلى أن ماتت وهو في سن الخامسة عشرة؟ كيف لا يتعرَّف أحواله في هذه الفترة مهما كان مُبْغضًا لوالدته أو مهما لم يكن على وِفاق معها؟
لم يَرِدْ في القرآن إطلاقًا ما يرغِّب الوالد في أولاده، وما يحمله على رعايتهم والإنفاق عليهم، وكل ما ورد فيه خاصة بالآباء في علاقتهم بأولادهم أن حذَّرهم من الافتنان بهم وبالمبالغة في حبِّهم والعطف عليهم إلى درجة تدفعهم للعبَث والفساد: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال 28) .
لم يرد في القرآن هذا الترغيب للآباء نحو أبنائهم اعتمادًا على الميْل الطبيعي والفطري في الإنسان كأب نحو ابنه، فهذا الميل الفطري في أُبوّة الأب قويٌّ بحيث يجب أن يخضع لرقابة ذاتية؛ حتى لا يطغى في الأب فيفسد الابن ويشقى الأب بطغيان هذا الميل فيه.