فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 1424

16 ـ نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة:

لماذا أُنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنةً، ولم ينزلْ دَفعةً واحدة؟

طلب كفّار مكة على وجه التحدِّي من رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن ينزل القرآن عليه مرة واحدة وادَّعَوا أنه لو نزل دفعةً واحدة لآمنوا برسالته ويَحكي القرآن ذلك في قول الله ـ تعالى ـ في سورة الفرقان: (وقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدةً) (الفرقان:32) .

وكان ردُّ القرآن عليهم في نفس الآية:

(كَذَلِكَ"أي أنزلناه على نحو ما أنزلناه عليه مجزَّأً"لِنُثبِّتَ به فؤادَكَ"يقصد الرسول عليه السلام"ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا"أي وجزَّأناه أجزاء في النزول".(الفرقان: 32) .

فالرَّدُّ يتضمّن أن الهدف من نزول الوحي على فترات، طِوال الثلاث والعشرين سنةً هو تطمين الرسول ـ عليه السلام ـ على دعوته وعلى المؤمنين برسالته في صدق إيمانهم بها؛ إذ دعوة الإسلام هي دعوة لتحويل الإنسان المادِّي أو الأنانيّ.. إلى إنسان يَعِي روابطه مع الآخرين على أساس من القِيَم العليا في حياة الإنسان.. أي على أساس من الأُخوّة والتعاون والمشاركة الوجدانيّة في السَّراء والضَّرّاء ومعاونة القويِّ للضعيف والترابط على أساس هذه القيم وهو ما يُسمِّيه الله في كتابه"بحبل الله"في قوله ـ تعالى ـ: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولاَ تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) .

وهذا التحول عملية نفسيَّة تقِف في طريقها عقَبات نفسية كثيرة وأخصُّها العادات والتقاليد المادِّيّة أو الجاهلية السابقة لا يُذلِّلها إلا استمرار الدعوة والانتقال بنفوس المسلمين في تدرُّج من وضع سيِّئٍ إلى وضع أقلَّ سوءًا ثمَّ إلى وضْع حَسَنٍ فأحسنَ، حتى يتِمَّ التحول وهذا التحول إذن يحتاج إلى زمن وإلى تدرُّج في السَّير نحو هدف هذه الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت