ونُلاحظ هذا التدرُّج في أسلوب القرآن في الدعوة إذ يُبَغِّض أولًا في عادات المادِّيين كما يُبَغِّض في الرِّبا في قول الله ـ تعالى ـ: (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا ويُرْبِي الصَّدَقَاتِ واللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) . (البقرة: 276) . ثُمَّ ينتهي عن اتّباعها كما يَنهَى عن الرِّبا بعد ذلك في قوله: (يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) . (البقرة: 278) . ثُمَّ يرغِّب في العادات الإنسانية المقابلة، كما يرغِّب في الإنفاق في سبيل الله، بمثل قوله ـ تعالى ـ: (ومَثَلُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ"مطر"فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإْنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ واللهُ بِمَا تَعْمَلونَ بَصِيرٌ) . (البقرة: 265) ثُمَّ أخيرًا يأمر بالعادات المرغوب فيها فهنا مثلًا يُبغض في الرِّبا، ثُمَّ ينهى عنه ثم يُرغِّب في الإنفاق في أوجه الخير ثم يأمر بالزكاة. وبينما فرض الزكاة كان في آخر سورة في الوحي وهي سورة التوبة، أي في السَّنة الثامنة في الهجرة، كان التبغيض في عادات جاهليّة في سوء استغلال المال مبكِّرًا في سورة الفجر، وهي السورة العاشرة في الوحي المكِّي قبل الهجرة، في قوله ـ تعالى ـ: (وتَأْكُلونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا وتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا) . (الفجر 20:19) فالتحوُّل هنا في الموقف من المال هو من الحرص الشديد على المال في جمعه والشُّحّ به ولو كان عن طريق أكل حقوق الآخرين الضعفاء كالنِّساء والأولاد في مِيراثهم.. إلى إنفاق المال على الآخرين في غير مُقابل مادِّيٍّ مِن أحد، سوى القُرْبَى لله. والتحوُّل هنا هو إذن مِن الضِّدِّ إلى الضِّدِّ تمامًا. وهذا التحول النفسيُّ يحتاج إلى تُؤَدة ووقت، كما يقع في مراحل