أمّا الزواج فليس ضرورة اجتماعيّة تُحَتِّم أن يلهثَ وراءه الإنسان، سعيًا إلى تحقيقه. بل له ظروف يجب أن تهيأ أولًا كما يجب أن تكون قائمةً بالفعل. ومنها القدرة على تَحَمُّل مسؤولية الإنفاق على الأسرة من جانب الزوج. ولا يَكفِي إطلاقًا لكي يكون الزواج ضرورة في حياة الإنسان أن يكون قد وَصَل الشخص إلى البُلوغ الجنسيِّ أو أن يشتهي مُعاشرة المرأة معاشرة جنسيّة.
ولذا يطلب القرآن الكريم من الذين لا يتمكّنون من الإنفاق على الزوجة أن يُرجئوا أمر الزواج حتَّى تَحِين استطاعتهم الماليّة وتُمَكِّنهم من بناء أسرة. يقول الله تعالى:
(ولْيَسْتَعْفِفِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) .. (النور: 33) .
فمع طلب إرجاء الزواج إلى الميسرة، أمر الإسلام بالتعفُّف والبعد عن السقوط في المعاشَرة الجنسيّة غير الشرعية.
وإذا كان الفقهاء يرَوْن أن الصوم في فترات كَفيل بضبط الغريزة الجنسية لدى البالغ، فإن علماء النفس يرَوْن في شغل الفَراغ بالقراءة أو الدراسة والإعداد الذهنيّ أو بالفنون الجميلة قدرة على صَرْف المُراهقين مؤقَّتًا عن التطلُّع إلى مباشرة الحياة الجنسيّة.
والآن على افتراض أن الاثني عشر جنيهًا مصريًّا ـ التي هي مرتب السائل ـ تكفي لبناء أسرة منه ومن زوجة له.. فإنّ تربية إخوته ومُساعدة والده مُقَدَّمة على أمر الزواج الخاصّ به.
وعلى كل حال إذا لم يكن أنانيًّا فالأولى له الاستمرار في المُساهَمة في تربية إخوته. وإذا كان أنانيًّا ويُغَطِّي أنانيّته ضعف شخصيته فالأولى له أيضًا عدم الزَّواج في الوقت الحاضر إذ من يدخل في زيجة وقد تعوَّد أن يُقاد لا يسعد بالزواج؛ لأنه ينتظر منه الآن أن يقود، وهو لم يتدرّب على القيادة باستقلال الشخصية بعد.