والدولة ـ أو نظام الحكم فيها ـ التي لا تُعين الفردَ، منذ قيامها، على أن ينسى في نفسه الإيمانَ بمبدأ"أداء الواجب"كلٌّ حسَب قدرتِه وما اتَّجه إليه من عمل يُحسنه وذلك بتهيئة الظروف المادِّيّة والمعنوية للقيام بأداء الواجب نفسه تتغاضَى عن أول واجباتها وهو تمكين الأفراد فيها من العمل أو ما يسمَّى بالإنتاج للصالح العام.
ثُمَّ هي ـ أي الدولة ـ إذا تركت للأفراد بسبب إحساسهم بالغَبْن في مجال العمل والأجر، أن يُمارسوا"المقاصَّة"فيقومون بعمل أقلَّ، مع قدرتهم على القيام بما هو أكثر؛ لأنَّ ما يعطَى لهم هو قليل أيضًا.. تجهل ولا تتجاهل ما تلتزم به نحو الأفراد فيها.
والمِعْيار المادِّي وحده في صلة العمل بالأجر ـ وإغفال معنى أداء الواجب ـ سادَ أصلًا في البيئة الصِّناعية طَوال القرن التاسع عشر. ولم يزل يسود ويزداد، كلَّما غلبتْ رُوح الموازنة الكَمِّية والعددية في"تقييم"الإنسان.
والتغيير في نظام الحكم، في البلاد الصناعيّة الذي كان يؤمِّل عن طريقه إبعاد جوِّ اللامبالاة وتحكُّم الفردية وموازينها الشخصية في مجال العمل... ربما يكون قد ساعد على تفشِّي ظاهرة"المقاصّة"بين العمل والأجر، بدلًا من أن يُبعدها نهائيًّا.
والمجتمع المعاصر لم يزل بحاجة إلى تجربة"الرُّوحيّة"في أداء الواجب وإعطاء الحق. إذ كلَّما زادت دِقة المعايير المادية في توجيه المجتمع وتقييم الإنسان كلَّما اشتدت وطأة الانفرادية وكثُرتْ مشاكل الأفراد ومشاكل الدولة كذلك.