إنَّ الخادمة في موقفها ممّا اتُّهِمت به كانت ضعيفةً، لا تستطيع رَدَّ هذه التهمة بغير الحَلِف بالله، كما لا تستطيع دفع الاعتداء عليها بالضرب والتعذيب، وبالأولى لا تستطيع محو ما يصفه السائل بسُمْعتها من تشويهٍ. ولكنَّ السائل وحده بما رُسِمَ له من طريق هنا يملِك تحويل ضعفِها إلى قوة، كما يملِك تحويل عدم ثقة الناس بها إلى ثقة فيها. والثقة في النفس هي كل ما تملِكه الخادمة في حياة العمل وحياتها الزوجية المُقبلة.. بل هي كل ما يملكه أيُّ إنسان في حياته.
والسائل، باعترافه بخطئِه، فيه الأمل أن يُحيي نفسًا كاد يصبح وجودُها عدمًا. وهى نفس قدَّمت له من الخدمات ما هو في أمسِّ الحاجة إليها. وقد وضع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أصول المعاملة الإنسانية الكريمة بين الخادم ومخدومه، فيما يروى عنه هنا:"إخوانُكم خَوَلُكم"أي خُدّامكم وعَبيدُكم هم إخوان لكم مُتساوون معكم في حقوق الحياة"أطْعموهم مما تُطعمون أنفسَكم، وألبِسُوهم مما تَلبَسون، وإن كلَّفتموهم بأمر لا يستطيعونه فأعينوهم عليه"، وهم مع ذلك لهم نفوس إنسانية كرَّمها الله فيما يقوله بوجه عام في قيمة الإنسان: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70) .