أمّا ما تخشاه من إنهاء صاحبة البيت لعمل هذا العامل في منزلها، فإنها تخشى أمرًا لا يحرِص هو على استمراره، ولا يخشى وُقوعه بالتالي؛ لأن الذي يُبَدِّد في مال غيره ويعبَث فيه خلف ظهره، وقد اؤتُمن عليه، يترقَّب من وقت لآخر، أن ينكشف وضعه، وبذلك ينتهي عمله، هو إنسان لا يعرف الاستقامة ولا النزاهة، ولا يعرف الله كذلك حتى يخشى جزاءه. وجزاء الله للعابث بأمانة غيره في دنياه أنّه لا ينمو حاله إطلاقًا عن طريق العبَث، ولا تُثمر له خلفةٌ تعيش على الحرام. وجزاؤه في الآخرة ما جاء في عموم ـ قوله تعالى ـ: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ولاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَه كَانَ بِكُمْ رَحيمًا. ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) (النساء 29ـ30) .
وقد يدخل في اعتبار هذا الرجل العامل بالمنزل: أن الأجر الذي يأجره من سيّدة المنزل غير كافٍ؛ ولذا يُبيح لنفسه السرقة من ماله في سبيل معيشة أولاده وأسرته. وهو عندئذٍ يسلك طريقًا شائكًا وغير مستقيم . وأفْضل الطُّرُق لمعالجة عدم كفاية الأجر هو أن يصارِح السيدة بالواقع وبحاجته إلى زيادة من أجره. وكل صاحب عمل لو وَثِق تمامًا من أمانة العامل عنده وإتقانه للعمل، فإنه لا يَبخَل عليه بالزيادة المطلوبة. وعندئذ يعيش بكرامته وبأمانته في عمله، ويضمن كذلك ستر الله لأسرته. وإلا إذا لم تَستَجِب سيدة المنزل لمطلوبه فليسعَ إلى العمل في مكان آخر. والله لا يترك الأمَناء جياعًا، بحال من الأحوال.