وهو بأكله المال بالباطل أي بأخذه الأجر في مقابل الإهمال في العمل. قد اعتدى على حقّ مَن أهمل في مصلحته، وظلَمه في الوقت نفسه. فالاعتداء على الحقِّ ليس إلا إنكارًا وعدم تسليمه. وهنا الحق ظل محبوسًا عن صاحبه بسبب الكسَل في أداء الوظيفة. والظلم ليس إلا تعطيلَ صاحب الحق ـ وقد تشتَدُّ حالته إليه ـ عن أن يصل إليه حَقِّه وقت الشدة أو وقت الحاجة إليه. ومَن لا يؤدِّي مصالح الناس كسلًا وإهمالًا قد عوَّقهم عن وصول حقوقهم إليهم في وقت يكونون فيه في أمسِّ الحاجة إليها.
والنار التي سيُصْلِي بها اللهُ المعتدِيَ والظالمَ في أكله أموالَ الناس بالباطل قد تقع في الدنيا، بجانب عقاب الآخرة. فالذي يستمِرُّ في الإهمال في أداء وظيفته العامة وأكل أموال الناس بالباطل، يستمرِئ في واقع الأمر الحصولَ على المال من أيِّ طريق، إلا طريق العمل والجِدِّ فيه وتحمُّل المشقّة في تحصيله. فهو يستمرئ السرقة، والغَصْب، والخِداع، والتدليس، والغِشَّ، ونحوَها، ويربط حياته ومعيشتَه ـ إذن ـ بما يُلحق الضَّرَر للآخرين، ومن يتسبَّب في إضرار الناس ويُلحق الخسائر بأقواتِهم وأرزاقهم وأموالهم لا يُنْجَى إطلاقًا ـ ولو بعد أمَدٍ طويل ـ من أن يُصيبَه أذَى مَن يتضرَّرون به في نفسه أو في أسرته وأولاده من بعده. وهو أذى نار الحقد والضغينة والكراهية والاشمئزاز.
فضلًا عن أن سُمْعَته السيِّئة وفقده كرامة الإنسان العامل المُجِدّ، ستتحول إلى نار تحرِق ما يجمع من أموال أو يترك من أولاد؛ لأن بُغض الناس له سيكون عقبة في طريق الانتفاع بما يترك من مال، وفي طريق انتفاع الأولاد في الحياة في مجتمعهم.
وليس أفضل من أن يكون الإنسان صاحب عدْل يُعطِي لغيره كما يأخذ منه. فإنْ زاد وأعطى أكثرَ مما يأخذ فهو المُحسِن. بينما يبقى الذي يأخذ ولا يُعطي، في دائرة المسيء دومًا.