فهرس الكتاب

الصفحة 1351 من 1424

كان أحد الثلاثة المصريّين متخرِّجًا في الأزهر، وكان الاثنان الآخران ممَّن حصلوا على درجة الهندسة. وسبقاه الاثنان في القدوم إلى برلين والنزول في هذا"المنزل"بمدة أسبوع. وشارك كلٌّ منهما بقيّةَ النُّزَلاء من الألمان فيما يقدَّم لهم من طعام لحم الخنزير وشراب البيرة. وكان كلٌّ منهما يرى في هذه المشاركة"تجديدًا"وتقدُّمًا. وكان كلٌّ منهما كذلك سعيد بهذه المشاركة.

فلمّا حضر ثالثهم ـ وهو الأزهريّ ـ ونزل معهم ذكر لصاحبة"النُّزُل"أنه لا يأكل لحم الخنزير ولا يتناول مشروبًا رُوحيًّا وأنه يرجو أن يقدَّم له من الطعام ما يخلو مما حرَّمه الإسلام. واستجابت صاحبة المنزل، وكانت تتكلَّم العربية في صورة تُفهم.

وكان النزلاء في النزُل جميعًا يجتمعون على مائدة العشاء، وكان واضحًا أن الطعام الذي يقدَّم للطالب الأزهري يختلف في نوعه وطهْيِه عمَا يقدَّم للآخرين كلِّهم.

وفي مساء اليوم الثالث من قدوم هذا الطالب سأل أحد الطالِبَين المصريّيَن الآخرين صاحبة"النُّزُل"في صوت ينطوي على الاحتجاج: لماذا ينفرد هذا الزميل الجديد بطعام فوق مستوى الطعام الذي يُعرَض، ولا يقدَّم لهما كذلك، مع أنَّهما من مصر؟

وكان جواب السيدة: صاحبة البنسيون ينطوي أيضًا على مفاجأة لهما، إذ قالت: إن هذا زميلكم الجديد احتفظ بكرامة نفسه لأنَّه تمسَّك بعادات بلده وتقاليدها في الطعام فكان واجبًا عليَّ أن أُكرمَه. أما أنتما فقد حاولتُما أن تكونا كبقية الألمان هنا، وبذلك اندمجتُما فيهم وضاعت شخصيّتكما، فلا ميزة لكما عندي.

إنَّها سنّة الطبيعة البشريّة أن يُحْتَرَم صاحب المبدأ ويوقَّر لمبدئه، وأن الذي لا يملِك المبدأ يتزلَّف لمَن يملِكه ليحفَظ به توازن نفسه، ويكمل به نقص عدم الثَّبات على المبدأ. فسيرى على بركة الله فيما تؤمنين به والله لا يُشقيكِ بما تلبَسين من زِيٍّ يحفظ عليك مفاتن بدنِك. وإنَّما سيكرمك على الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت