(2) أما الذين يَرَوْنَ في عقد التأمين أنه تعاون على دفع الكوارث ومواجهة سريعة للنَّكباتِ التي يخبِّئها القدَر.. فهم لا يجعلونه قائم بين الشركة والمؤمَّن فقط. وإنَّما هو في واقع أمره بين المؤمنين أنفسهم بعضهم بعضًا عن طريق الشركة التي هي وسيط في تنفيذ الالتزامات المترتِّبة عليه لجميع المؤمنين وفي الوقت نفسه ناحية خيره في شؤون المال واستثماره.
فعقد التأمين على الحياة اتَّفق فيه أي مؤمِّن ضمنًا مع المؤمَّنين الآخرين على الإسهام في تخفيف الكارثة التي تُصيب أسرة أي من المؤمَّنين بوفاته وهو ربُّها وعائلها في حدود المبلغ الذي ارتضى دفع أقساطه في المدة المعيّنة. فما يُدْفَع للمؤمَّن عند وفاته هو جزء من أرباح الأقساط التي تجمَّعت لدى الشركة نيابةً عنهم إما في أملاك عَقارية أو في مشروعات صناعية في غالب الأحوال. وهذا الجزء متَّفق عليه ضمنًا بين المُؤَمَّنين. وقيام الشركة بدفعه هو قيام الوسيط صاحب الخِبْرة الخاصّة في شؤون المال.
فشركة التأمين في واقع الأمر ليس لها مال خاصٌّ. إنَّما ما لديها من أموال هي ملك للمؤمنين. وعقدها مع المؤمَّنين هو عقد جِعالة. أي أنه عقد تفويض للشركة من المؤمِّنين جميعهم في استثمار أموالهم مع الوفاء بما يَلْتَزِمُونه قبل بعضهم بعضًا خصمًا من أرباح هذه الأموال، على أن يكون للشركة وموظَّفيها وأصحاب الخبرة ممَّن تستعين بهم أيضًا جزءا من هذه الأرباح.
وإذن ما يدفع لورثة المتوفَّى في عقد التأمين على الحياة، وما يدفع لصاحب السيارة عند إصابة سيارته بأضرار في حادث أو لصاحب المنزل عند إصابة منزله بضرَر الحريق ـ لا يعدو أن يكون تنفيذًا لاتفاق بين المؤمنين على التعاون على دفع الضرر عند وقوعه لأي منهم. وفي مقابل دفع الضَّرَر على أي واحد منهم يقبل المؤمِّن بالتالي التنازل عن جزء مما دفعه من أقساط أو عن القسط كله.