وإذا قُصِد بالتمدِّن الصناعة والتطور الحضاريّ المادِيّ والتقدم التكنيكي فالدين كذلك يحثُّ عليه ويدفع إليه. نقرأ قول القرآن الكريم: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والمِيزَانَ لِيَقومَ النَّاسُ بِالقسِطِ وأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَديدٌ ومَنَافِعُ للنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُه ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد: 25) .
فسوَّى القرآن في هذه الآية بين كمال الله والحديد وأثرهما في حياة الناس.
فإن كانت الهداية والعدل من نتائج الإيمان بكتاب الله فهناك المنافع من استخدام الحديد تنتهي جميعُها إلى القوة والعِزّة في الحياة.
والحديد ـ وما يُشبهه من معادن ـ مصدر الصناعة وموضع التطبيق العلميّ الهندسي وبناء على ذلك إذا أغفل الإنسان كتاب الله أو أغفل الصناعة في حياته فقد أضعف نفسه وأضعف أمّته وإذا أغفلَهما معًا فتلك هي الكارثة التي لا يستطيع التغلُّب عليها.
وإن قُصِد بالتمدُّن الانحلال في الأخلاق والسلوك أو الرّفاهية على حساب الآخرين أو التسلُّط وانتهاك الحرُمات الشخصية للآخرين... أو ما شاكَل ذلك مما يؤذي الإنسان ويحطُّ من شأن الكرامة البشرية فالدين عندئذٍ عقبة في سبيل التمدُّن، والتمدُّن أيضًا عقبة في سبيل الدين.
(وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ولاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) (المائدة: 49) .
(أَفَحُكْمَ الجَاهِليّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنونَ) (المائدة: 50) .