فيصف القرآن نفسه كذلك: بأنّه رحمة للمؤمنين بسبب هدايته إيّاهم إلى الطريق الواضح المَعالم في استقامته، وبأنّه يزيد خسارة الظَّالمين ـ وهم المُعارِضون الكافرون ـ لأنَّه يُسجِّل عليهم دعوة الرسول إلى الحقّ، ومُعارِضتْهم إيّاها، رغم أنّها دعوة لصَرْفهم عن ظُلم أنفسِهم بالكفر والمعارَضة واتباعهم لصوت العقل في أنفسهم، وصوت الحقِّ في كتاب الله، حتى لا يُمارسوا الطُّغيان في الدنيا وينالوا العذاب في الآخرة.
فالقرآن بهدايته إلى الطَّريق المستقيم والطريق التي هي أقوم، يشفي النفوس المريضة بالضَّلال، ولكنه لا يشفي الأبدان مِن أمراض جسديّة تُصيبها .. نعم إذا شُفِيَت النفوس المريضة بالضلال فإن شفاءها عن طريق اتباعها لهداية الله سيؤثِّر تأثيرًا إيجابيًّا على أبدانها، في طاقتها على التحمُّل والصبر على المَكارِه وفي مواجهة الأزمات.
والسائل إذ يعرِض في سؤاله هنا: أنه ينسى كثيرًا، وأنه يرى أحلامًا مُزعِجة ربَّما يعود ما به الآن إلى ضعف عامٍّ في صحته، أو إلى مخاوف كانت تُقَصُّ عليه في حكايات فيما مضى فاختزَنَها لفترة، ثمَّ أخذت ترِدُ الآن على خاطره تباعًا، والأجدر بمَن يُعْنَى بصحة هذا الطالب أن يعرِضه على طبيب بشريٍّ أو نفسي لمعالجته ولا يتخلَّى عن عادته في أن يقرأ القرآن كلَّما أُتيحت له فرصة لقراءته ففي قراءته اتصال بذات المولى ـ جلَّ جلاله ـ واعتماد عليه فيما يعرض له من هموم الدنيا وأزماتها وشدائدها ولكن فقط يجب عليه أن يعتقد: أن شفاء القرآن بهدايته هو شفاء للأمراض الاجتماعيّة بين الناس، وشفاء لأمراضهم النفسيّة بسبب الأنانية وطغيان النفوس. وإذن هناك مكان للطبِّ البشريِّ لا يمنع الإسلام مِن مُمارسته ولا مِن أخْذ مشورته.